بحــــــــــــــثاً عنِ الزّمن الضّائع

 

مدخل الحديقة الخلفية

النّبـــــــــــــأ الصّـــــــــــــادِم

***

اِستمرّتِ الحياة السعيدة في المزْرعة الهادئة بكل تناقضاتها كَما كُلّ حياة. نُجرْجِرُها بجميعِ إشْكالِياتها ومُعاناتها..! أختي الجميلة المعْطوبة مرْيم مع عصاها التي لا تُفارِقها، لِأنّها كانت مُسكِّنَة نبضات قلبها الثّائر لِغِياب الوعْي بِخُطورة المرض الذي أوْدى لاحِقاً بِحياتها، فضْلاً عن غياب كل مرْفقٍ صِحّي أو مستشفى لِلعلاج أو طرق معبّدة لِفكّ الحِصار والعُزْلة عن بوادي وقُرى الريف المهمّشة من طرفِ النظام على مدى عُقود من الزمن. إلى أنْ بدأتُ أفْتقِدُها كل مرّة وحين. ولِيُطَمْئِنُنا الكِبار، كانوا يقولون لنا أنّ مريم غابتْ وسوْفَ تعود..! أمّا أختي يامْنة المسْؤولة عن الدّواب. فتقوم بالبحث عن الأعشاب والحشائش ورعْي وتغذية وسقْي بقرتنا الحمراء، وإخراج الحصانين لِلرّعْي قرب البيدر لِكيْلا يتعرّضا لِلسّرِقة. ولهذا نراها غالِباً رُفْقة صديقتيها ربيعة وفاطمة الصقلي سِّي مُحَنْد سِّي مْحَمّذ، عمّي الوحيد الذي كان يسكن بِجِوارنا في “أغيل أُمَذْغار” ، على خلاف كل أعْمامي الآخرين الذين كانوا يسكنون في “آيْت غانم”، فوق الجبل المُطِلّ على السوق الأسبوعية في السّفْحِ. وكانت إخوتتي السّبع من أبي كلهنّ متزوّجات ومتناثرات في رُبوع “قَلْعيّة”، ما عدا “لَلاّ حادّة” التي كانت تسكن بِجوارِنا في “إبَجّوقَن” ، كزوجة لِابن يمينة وَشّيخ رحمهما الله.

أختي حادّة مع زوجها خَاري مُّوح الذي اشتغل طول حياته كجندي في الصّحراء ومرض ومات بدون أيّ تقاعد
وكان زوجها خَاري مُّوح جنديّ في الجيش الملكي. وكان يُعْجِبني عندما يأتي إلينا مرّة كل عام بِبذْلته العسكرية الخضراء المُزَخْرفة بنياشين خاصّة بالعسْكر، والنجمة الخماسية وعلم المغرب، والتي كانت ترْمُزُ في مخيلتنا الشّعبية إلى ما يُسمّى “المَخْزَن”، الذي كنّا نتخيّله كالغولة “ثَمْزَ”، مع جبروت وقوّة خارقة تفوق تصوّرنا نحن الأطفال ! وكان من بين آثار تِلك القوّة المخزنية عُثوري شخْصيّاً مع مجموعة من أطفالِ حارتنا على شيء غريب في إحْدى المناطق التي كُنّا نلعب فيها. كان شكله كُروي ولونه رمادي ووزْنه أكثر من كيلو ونصف، ومليء بالشقق التي تُظْهِر ما بداخله من مسحوق أصفر. فنفضْتُ عليه التّراب، ثمّ أخذْتُه بِهدوء وسط دهْشةِ الأصدقاء وتحْذيراتهم :

ـ غاكْ غاكْ ! أَحَوَرْ.

ورجعتُ إلى بيتنا مَرْفوقاً بِأصْحابي لِأُري أبي هذا الجسْم الغريب ! فلمّا وصلْنا، وجدْتُ أبي جالسٌ قُرْبَ أمّي التي كانت تصبُّ الشاي لِأحدِ الضُّيوف الذي جاء من قبيلة “إعْزاناً”، مرْفوقاً بِوالدته ليخْطُبا أختي يامْنة. ولمّا رأى أبي ما في يدي، تغيّرَ لوْنه ووقفَ حالاً وهو يقول لي شِبْه مذْعور:

ـ بِهُدوء يا ابني بِهُدوء. لا تتحرّك. هذه قُنْبُلة لم تنْفَجِر، وإذا تعرّضَتْ لِهَزّة أو صدْمة ولَوْ صغيرة فستنْفجِروتقتلنا جميعاً. إنّها من مُخَلّفات حرب إسبانْيا والمخزن ضِدّ أهْل الرّيف. لقد حفظكم الله ولم تموتوا !

واعْتَذَرَ أبي لِلظُّيوف قائلاً لهما أنّه سيعود حالاً بعد التخلُّص من القنبلة. ثمّ لبس حِذاءه وخرجنا جميعاً نتْبَعه ما عدا أخي عبد الله الذي فَضّلَ البقاء لِلّعِب مع حِصانِه الأسود.

 

تَبِعْنا أبي بِصمْتٍ وهُدوء. وبعد أنْ تجاوزْنا مَدْشَرة “إشَلِّوَنْ” حيث يسكن أصْهار أخي الأكْبر محمد. لاحظْنا أنّ أبي يسير في اتِّجاه جبل “مَسْناذ” ذو الوادي السّحيق، والذي جِئْتُ إليه مع أبي وأمي وإخواني مرة واحدة لِالْتِقاط وجمع الزيتون واللّوْز في حُقولِنا هناك. وكُنّا نسمع عنْهُ أنّه جبل مسْكون بالأرْواحِ الشّرّيرة، وأن “ثَمْزَ” أي الغولة، كانت تسكن في إحْدى مغارَاتِ وادِه ! وعندما وصلْنا إلى حافةِ أعْلى الجبل، بدأ أبي يصْرُخ ويُنادي وهو يُحدِّق في الأسفلِ:

ـ هل هناكَ أحَد ؟ سأرْمي قنبلة، فهل هناك أحد ؟

ولمّا لم يسمع أيّ جواب آتٍ من قعْرِ الوادي السّحيق، طلبَ مِنّا الإبتعاد إلى الوراء، فرمى بالقُنْبُلة، لِيتْلوها انْفِجارٌ هائل اِقْشَعَرّتْ له أجْسانا. والتي ما زالتْ أصْداؤه تتردّد إلى الآن في أذُني الصّبيّة، وفي مخيلة سُكّان الرّيف..!

وعندما عُدْنا إلى البيت، صادَفْنا مُشْكِلة أغْرَب ! فقد وجدنا رجلاً وزوجته وفتاة تبكي لا تتجاوز سِتّ سِنين. وكان الرجل يقول لِأمّي وهو غاضب:

ـ إبنكَ عبد الله سيتزوّج اِبنتي إجْبارياً لِأنّه هو المسْؤول عن فضِّ بكارتها ولوْ بِرَكْلة بين فخذيْها.

واستدار إلى أبي يشرح له ما جرى:

ـ الحاج الهادي، إبنتي سعيدة كانت راجعة إلى البيت مع بقرتنا. ولمّا رآى إبنكَ عبد الله بقرتي تقترب من حقْلِك، إنْقَضَّ ولدك على ابْنتي وضربها بِرَكْلَةٍ موجِعة بين فخذيها. وكما سبَقَ وقلتُ لِزوجتك، إبنكَ عبد الله سيتزوّج اِبنتي سعيدة إجْبارياً لِأنّه هو المسْؤول عن فضِّ بكارتها لا قَدَّرَ الله. أنا أحذِّركم فقط ..!

هكذا كانت الحقول الخضراء في بني سيدال

وطَمْأنَهُ أبي قائلا:

ـ إن شاء الله لن يكون هناك مشكل الحاج أحمد. وإذا وقع لا قدّر الله، فإنّ إبني سيتحمّل مسؤوليته كما ينبغي. كُن مُطْمئِنّاً.

وذهب المُشْتكون إلى حالِ سبيلهم، في حين دخلْنا جميعاً إلى الدّار وأنا أسْتفِزُّ عبد الله بصوْتٍ مسْموع قصْداً:

ـ بالصّحّة العروسة أخي ! سبْعُ سِنين، زواج مُبكِّر أظُنّ.

فانقَضّ عليّ يريد ضرْبي، فهربْتُ فوق السّطْح وهو يتبعني لاهِثاً. ولمّا وصلْتُ إلى الحافةِ، دفعني فسقطْتُ وسط الصّبّار الشّوكي “دُّخْرَثْ”. وبدأتُ أصْرخ بكل قواي وأبكي من شدّة ألم الشوك المغْروز في كل جسمي..!

في ذالك الوقت، كان أخواي مُحمّادي وعبد الله، يُتابِعان دِراستهما الإبتدائية في مدرسة مُهْترئة تحتوي على بعض الأقسام المُكْتضّة في “رابع نَتْراث”، حيث توجد القيادة والسوق الأسبوعية. وكان عليهما أن يسيرا مسافة كيلومترات عديدة صباح مساء من أجل الذّهاب إلى المدرسة والعودة منها في طُرُقٍ صعْبة ومحْفوفة بالمخاطِر، ولا سيّما في فصل الشِّتاء، حيث يكثر الغيس والظّلام. وحيث كان على أمّي انتظار وصولهما في المساء الدّامِس حامِلة قِنْديلاً وهي جامِدة على الصّخْرة الصّمّاء مِن حيث تُراقِبهما. الشّيء الذي جعلها رحِمها الله مُنْشغلة البال بالبحْثِ عن عائلة قريبة من المدرسة لِتَأْويهما خلا ل الأسبوع لِكي لا يضْطرّا إلى قطْعِ المسافات الطّويلة فوق الجبل مرّتين كل يوم. ولذالك كنتُ أرافقها مرّة كل شهر مع أخواي لِنزور تلك العائلة الفقيرة، حاملين إليها الطحين والقمح والفول وملابس لِأوْلادها، وأشياء أخرى مُساعدة لها لِلإشتراك في أعباء المصاريف، لِيُتابع أخوايَ دراستهما الإبتدائية بشكلٍ مُنْتظِم وبدون مشاكل. أمّا خلال العطلة الصيفية، فقد كانا يحْفظان القرآن في جامع حارتنا حيث كنتُ أذهب معهما أحيانا محْمولاً على أكْتافِ أخي مُحمّادي لِأحْفظ بعض السور القرآنية التي لم أكن أفْقهُ منها شيئاً..!

جانب من حديقتنا الأمامية. في مدْخلها تتربّعُ الصّخْرةُ الصّمّاء (بُرْج المُراقبة)
مرّتِ الحياة في قريتنا الهادئة أغيل أُمَذْغار سعيدة كما يحلم أيّ طِفْل محْظوظ. علاقاتنا مع الناس جيّدة، يسودها الإحترام والتّعاوُن “ثْويزا”. ما عدا في بعضِ الأحيان، عندما كانت تنْدلِع مُواجهات عنيفة بين أولادِ حارتنا وأولاد قبيلة “إقُرَيْشَن” بسببِ الملل أو خِلافٍ ما بين الأطفال الذين كانوا يحفظون القرآن جميعاُ في نفس الجامع الذي كان قريباً من دارنا. فكنّا نخرج جماعات أطفال ومراهقين، ونحن مُتحمِّسون لِلحرب ضِذّ الأعْداء، ومُسلّحون بالمقالِع التي صنعناها بِأنفسنا ببعض الخيوط والحِبال المُهْمَلة، ونبدأ بالتّراشُقِ بالحجارة لِساعات. وعندما كانتِ الغَلَبَة لنا، نتقدّم من حيِّهم ونُكثِّفُ الهُجوم. أمّا حين يتغلّبون علينا،فإنّنا نبْدأُ في التّقهْقُر ثمّ ننْسحِب إلى مرْكزِ مدْشرتنا لنتحدّث عن بُطولاتِنا أو نُفكّر في تغيير التّاكْتيكات لكي ننتصِر عليهم. أمّا أبي فقد كان يأخذ المِذْياع الصغير القديم ويهبط إلى جارنا بومدين. فيجلسان قرب الحانوت وسط الطبيعة وهما يستمعان إلى أخبار الجزائر الفرنسية، وهل فُتِحتِ الحدود لِيسافرإلى وَهْران كالعادة.

 

دارنا في بني سيدال. الحديقة الخلفية وقد دُمِّرتْ وطالها الإهْمال واقْتُلِعتْ الكثير من الأشجار

 

لقد كان منزلنا في بني سيدال بالنّسْبةِ لي مركز الكون. وعائلتي هي مجتمعي الصغير الذي أحسّ فيه بالأمان والطّمأنينة والسّعادة. ولا بُدّ لِهذا التّعَلُّق بقرية موْلِدك ومسقط رأسك أن تجعلك تُحب الوطن كله. ولا بُدّ لِحبّكَ لِأسرتك أن تجعلك تُقدِّر وتحترم المجتمع ككل، وأنْ تعمل دائماً من أجْلِ الصّالِح العامّ …

إنّ الطّفولة هي أساس بِنْية شخصية الإنسان السيكولوجية، وكذالك واحة وُجوده التي يلتجئ إليها أحياناً حنيناً وهرباً من جحيم الحاضر المُنافِق الذي ذبلتْ وتحلّلت فيه العلاقات الإنسانية بل وحتى العائلية..! ولم نكن نعرف أو نتصوّر حتى في خيالنا، أنّ هذا البلد سيَنْقَلِب يوماً علينا وسيُعادينا، وأنه بسببِ التنشِئة الإجتماعية المُنْحرِفة في أوْساطِنا، سينشأُ حتى بين إخواننا، الطّوباويون الحالِمون، والذّئات النّفْعية الأنانية !

ومرَّتِ الأيام، والحياة عادية. إلى أن رجع أبي ذاتَ يوم من عند جارنا بومدْين وهو فرح. وأخْبر أمّي أنّ حُدود الجزائر قد فُتِحَتْ وأنّه يفكّر في السّفرإلى وهْران.

فقاطعتْهُ أمّي :

ـ كيف تسافر والخُطّاب الجُدُد ينتظرونَ جوابك وسيعودون بعد أسبوع ؟

ـ مصاريف الزّواج كبيرة يا امْرأة. ولِكي أقوم بعرْسٍ في المستوى لِابْنتِنا يامْنة، يجب أن أسافر لِأشتغل بعض الشّهور لِأُقيمَ لها عُرْساً مُشرِّفاً. طوعْلي سّي دودوح عائلة مرْموقة في “بويافار”. الكلّ يعرفه. فضْلاً عن مُشكل خطيبها السّابق من أغيل أُمَضْغار الذي هدّدنا بنسْفِ زواجها إذا أعْطيناها لِرجلٍ غريب عن بلْدتِنا..!

ـ هل تقصد ميمون إبن جارنا الذي خطبها العام الماضي ورفضْناه ؟ ليس في مقْدورِهِ أنْ يفعل شيئاً. الزّواج مكاتِب الحاج.

وفِعْلاً. لَمْ تمرّ أيّام حتى كان أبي جاهِزاً ومُسْتعِدّاً لِلسّفر. وبدأَ مُشْكِل آخر يُشْغِلُ بالنا: مسْألة تجاوُز الحُدود والدّخول إلى الجزائر الفرنسية التي كانت تُراقب حدود مُسْتعْمَرتها خوْفاً من تسرّب المجاهدين المغاربة. لِأنّ دُخول الحمّام كما يُقال، ليس مثل الخروج منه..! وفي يوم السّفر الموْعود، ودّعْنا جميعاً أبي العزيز، ووقفْتُ كالصّنمِ فوق الصّخْرةِ الصّمّاء أراقبه حتى توارى وراءَ الجِبال وأنا أبْكي ..!

كانت لحظات وداعنا لِأبي، مِنْ أكْره وأقْسى اللّحَظات في حياتي. ولا سَيّما أنّ هذا الوداع الغِياب، يُذكّرني بكل أفْراد عائلتي الأعِزّاء الذين غابوا… ولم يرْجِعوا أبَداً..! وانْتابني شُعورٌ غامِض وبدَى لي أنَّ هذا السّفر سيكونُ بِدونِ عوْدة..!

ومرّتِ الأيّام، إلى أن سمعتْ أمّي نبأً صادِماً أوْقَعَ زِلْزالاً في عائلتنا الهادئة سَبَّبَ لنا اضْطِراباً طِوالَ حياتنا…

وقع ذالك الْحَدَثْ الجَلَل مساء أحد أيّام الأسبوع الذي أجهل إسْمه. لِأنّني لم أكن أحفظ سِوى اسمين من أيّام الأُسبوع :

 

يوم الأربعاء حين يُقام السّوق الأسبوعي حيْثُ أكونُ مُتَلهِّفاً لِعودة أبي مِنْهُ وهو يحمل الخُضر والسمك واللحم وحلويات لي. وأحياناً بعض الملابس أيضاً التي في الغالِبِ تكون ذات مقاسات لا تُلائمنا، والتي بِسببها كانتْ تحدث مُناوشات كلامية بين أمّي وأبي…

المدخل الرئيسي لِسوق رابَعْ نَتْراث الذي كان يمتلئ يوم الأربعاء. البناية إسبانية والمجزرة بداخله رائعة

 

ويوم الإثنين حيثُ يجب أن نذهب مقْهورين إلى المسجد لِحِفْظِ القرآن بدون فهم، وسادية الفقيه تَلْسَعُنا باستِمْرار وبدون مُبرِّر..!

كان مساء ذالك اليوم حزين الأجواء، سواءٌ في الطّبيعة حيث الضباب ملَأَ الفضاء والسماء، والرّياح تهبُّ بِنُعومة بِزفيرٍ شَجِيّ، أوْ داخل العائلة حيثُ سادَ صَمْتٌ رهيب، إستنتجْتُ بعده أنّ العائلة تَلَقّتْ أو ستتلقّى خبراً غيرُ سارّ… خبرٌ ربما سيقلِبُ حياتنا الآمِنة والهادِئة رأساً على عقب… وهذا ما وقع فعلاً فيما بعد…

كانت الساعة حوالي الخامسة بعد الزّوال ربيعاً، لِأن الشمس بدأت تميل نحو الغُروب وقد اِحْمَرَّ لونها، والأعشاب الخضراء والورود تُحيطُ بجميع جوانب منزلنا.

اِكتسحني ضجرٌ مُمِلّ من هذا الحِداد المُسْتمِر الذي هَيْمَنَ على الجميع ذاك المساء الحزين.

بعد تفحُّصي لِوجه أمي وأخواتي حولي، عرفْتُ أنّ نَبَأً صادِماً سَيُزَلْزِل حياتنا كلها. لم أرَ أُمّي أبداً مِن قبل شارِدة الذِّهْن ومُتوتِّرة إلى هذا الحدّ كما وقع اليوم. كانت مُرْتبِكة وحائرة، تنتقلُ داخِل الدّار وخارجها بدون هدف كَأنّها شخْصٌ ضائع أو بدأ يُحِسُّ بالضّياع..! وكُلّنا نتبعها بعُيونِنا الدّامِعة، ما عدا أختي مرْيَم المريضة التي انْزَوَتْ مُنْهارة بعيداً في أحَدِ أرْكانِ الدار وهي تشْهقُ بالبكاء وتُرَدِّد بألم:

ـ أبي العزيز، لِماذا ذَهَبْتَ وتركْتنا لماذا ؟ لماذا ..؟

 

 

…………………………..

 

( الفقرة 4 ) ــ الجـــــــــــــــــنازة

يوميات فنان مهاجر 

بحثاً عنِ الزمن الضّائع

باب المدْخل الرّئيسي وقد إخْتفى نِصْفه

الجــــــــــــــــــنازة

***

إقْتربْتُ من أختي مريم التي كانت تبكي. وسألتها عَمّا وقع بالضّبط ولماذا تُردِّد: “أبي، لِماذا تركْتنا وذهبْتَ يا أبي ؟ لماذا لماذا ؟”. فعانقتْني بحرارة وقد زادَتْ دُموعها انْهِماراً، وقالت لي:

ـ أبونا وقعتْ له حادثة مأساوية في السيارة التي كان يَقِلها إلى وهْران. كُلّ مَن كان معه في السيارة ماتوا رحمهم الله، ماعَدا واحد تكسّرتْ رِجْلاه وذِراعه. أما أبونا فقد جُرِحَ جُرْحاً عميقاً في عُنُقِه ودخل الزّجاج في حُنْجُرتِه فأوْقَعَ فيها ثُقْباً بليغاً ونزيفاً داخِلِياً. يتنفّس بصُعوبة وربما يموت.

ـ ولكن مَنْ قال لكِ هذا ؟ رُبّما هذا الخبر غير صحيح أختي !

ـ لا أخي عبد الرحمان. الخبر صحيح. وقد جاءنا هذا الصباح الباكر رجلاً من “ياثْ حْسايَن” وأخْبر أمّي بذالك. وسمعْتُه يقول لها مُحال يبْقى الحاج الهادي حيّاً. إصْطِدام السيارة التي كان يقلها هو وخمسة رِجال آخرين كان عنيفاً. والسيارة التي تحوّلَتْ إلى كوْمةِ حديد، غارقة في الدِّماء ! وقد سلّمَ لِأمّي بعض الوثائق المُلَطّخة بالدّم التي كانت في حوْزةِ أبي . أيْ في جيوبه.  وقال أيْضاً أنّ أختنا الكبيرة يمينة تعْلمُ بالخبر وأنّها سوف تأتي عندنا …

ـ إذن الخبر صحيح مع الأسف الشّديد!

قُلْتُ هذا لِأختي مُرْتمياً في حضْنها باكياً. ثُمّ ضمّتْني إليها وأنا أسْمعُ شهيقي المُخْتلِط بِدقّاتِ قلْبِها الذي يكاد يقْفِز من مكانِه لِقوّةِ الخفقان المُضْطرِب. فتناولَتْ عصاها ووضعتْهُ على صدْرها لِتمْنَعَ قلبها من الإنْفِجار..!

 

هكذا الحياة. أحْياناً تأتي الأقدار، وبلمح البصر، لِتُزلْزِل حياتك، و قد ينتهي بك المطاف بالجلوس في منظر كئيب حالِك، وسط مرضٍ وحِدادٍ أليمٍ وطويل، في حديقة قُطِفتْ كل زهورها، وفي دارِكَ المهجورة التي اقْتُلِعَت حتى أشجارها وأحْجارها، وانْدَثَرَ أهْلُها، وتشَتّتَ الوالِدان، وتبعْثرَ كلّ الإخوان والأخوات..!

نظرْتُ إلى وجه أختي الجميلة، وزِدْتُ التِصاقاً بها خوْفاً أنْ تُفارِقنا هي الأخْرى بسببِ مرضها المُزْمِن. وبدأْتُ أسْتحْضِرُ بعض ذِكرياتي معها، ولا سيّما يوم عُدْتُ من الجامع واسْتعْرَضْتُ أمامها سورة النّصْر وكُلِّي زَهْوٌ وخُيلاء، وبدونِ نُقْطة ولا فاصِلة:

بسم الله الرحمن الرحيم اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا صدق الله العظيم

فضمّتْني أختي مريم العذْراء إلى صدْرِها الجريح، وقبّلتْني وهي تصرخ فرِحَةً ومُشجِّعة  :

ـ بازْ أثْمَحْمونْتْ اَنَّغْ.

هكذا كانتْ تُناديني لِتُدلِّلني ،”ثْمَحْمونْتْ انَّغْ”، تصْغير عبد الرحمان. لِأنّي كنتُ أحِبُّها وكثير العطْفِ عليها بسببِ مرضها. عَكْسَ أخي الغيور عبد الله الذي كان يُلقِّبني بِ ” أبْريقْ” هو ومحمد الإبن الأكبر لِأختي يمينة، بِسببِ شراهتي في الأكْل ولِأنّي كنتُ غليظ الجِسم وبِخَدّيْنِ مِثْل الإبْريق ..! هذه الشّهيّة أو الشّراهة في الأكْل والتي ألْقَتْ بي إلى التَّهْلُكة لمدّة عام حين أُصِبْتُ بِ “داء السّلّ” وأنا تلميذ في القِسْم التَّحْضيري بمدرسة إبن خلْدون بالناظور عام 1962 بَعْدَ هِجْرتنا. والتي بسببها أيضاً ضربني أبي العزيز لِأوّلِ مرّةٍ في حياتي.

خلْفية الدّار حيث كان أبي رحمه الله يجلس مع أحد جيرانه وأصدقائه وهو يصنع حِبالاً وحِذاء من الحلْفاء. أر
كان ذالك منذ عام. والشّهْر رمضان. وفي المساء، تجمّعَتْ كلّ العائلة حول مائدةِ الإفْطار. وقد جلسْتُ قُرْبَ خالي العرْبي الذي كان مريضاً بِالسّلّ. وأخي عبد الله بقُرْبي وأبي أمامي لابس جِلْبابه ويُسبِّح وهو يُلاحِظُني. كنتُ أنا الذي لا أصوم، مَنْ ينْتظِر آذان المغرب بِلهْفة وعلى أحَرِّ مِنَ الجمْر لِنبْدأَ الأكل. كنتُ كالدّابّةِ الشّرِهة حقّاً. أو”بقرة بومدْين” كما كان يحْلو لِأخي عبد الله أن يُناديني أحْياناً إسْتِفْزازاً. وعندما بدأتْ آذان المغرب صادِحَةً لِتُعْلِن رُخْصة الأكْل، قام أبي لِيُصلّي. وملأتْ أمّي الفناجين بالحريرة مع الخبز والتّمْر والقهْوة والحليب. جلس أبي وبدأ الجميع في الأكل.

كان أبي يلاحظني وأنا أُحَدِّقُ في خالي العرْبي متى ينْتهي منَ الأكْل لِآخذ ما بقي في فنجانه من الحريرة وألْتَهِمُه. وعندما رأيْته ينتهي من الأكْل ويتقهقر إلى الوراء، أخذْتُ فنْجان حريرته الذي كان مُمْتلِئ إلى النِّصْف. فسمعْتُ أبي يُنَحْنِح مُنْذِراً وهو يُحدِّق في عيْني. فتركْتُ الفنجان وتقهقرتُ إلى الخلف وأنا أشْعُرُ بالإحْباط مِمّا جرى.
إسْتدرْتُ أنْظُر إلى أخي عبد الله الذي كان يغْمِزُ لي ويحُثُّني على أخْذِ فِنْجان خالي وإلاّ سيأْخذه هو. فما كان بي إلاّ الإنْقِضاض على الفنْجان لِأحِسّ بِأبي يضْربني فجأة بِسُبحتِه على رأسي الأقْرع ضرْبةً مُؤْلِمة تركَتْ كثيرا من النُّتوء على طول جُمْجُمتي وجبْهتي.
فقُمْتُ باكِياً وذهبْتُ إلى أمّي التي أجْلستْني في حِضْنِها وهي تمْسَح دُموعي وتُهدِّئُني ناصِحة :


أبي رحمه الله
ـ أبوك عِنْدَهُ الحق. خالُكَ المِسْكين مريض. وإذا شرِبْتَ من كأسِه أو فنجانه فستمْرض أنْتَ كذالك. أبوك يُحِبّك ولا يريد أنْ تمْرض وأنْتَ صغير وعزيز…
في الواقِع، كانت عندنا أُمٌّ رائعة ! وما أُدوِّنُه الآن من ذكرياتٍ عن أمّي وعائلتي لِأوْلادي وأحْفادي، إعْتِرافٌ بجميل والدينا رحمهما الله، ما هو سِوى إمْلاءات تداعي أفْكاري حالياً ليعْرفوا قصّة حياتي وأُصُولَهم قبْل أنْ أموت…
لامَسَتْ أختي مريم خَدّايَ بِأصابِعِها البيضاء والملْساء وهي تُداعِبُني وتقول:
ـ أنْتَ تبكي لِأنّكَ تحبّ أبانا ؟
ـ نعم ولكني أحِبّكِ أنتِ أيضاً.
فتأمّلَتْ جوابي مُفكِّرة ثمّ قالت:
ـ تَعْلَم أخي عبد الرحمان، عندما نموت فإنّنا لا نموت، بل فقط ننتقل إلى حديقة لا نهاية لها مليئة بكل أصْناف الفواكه ووُرود وملائكة تطير.
فقاطَعْتُها:
ـ فقيه الجامع قال لنا أنّ في الجنّة أيضاً أنْهارٌ من العسل لا يشرب منه إلاّ المُتصدِّقين الذين يُعْطون الصّدقة. هل هذا صحيح أخْتي ؟ هذا الفقيه كان يضربني كثيراً ويطلبُ مِنّا التّعَرُّض لِلْمارّين طَلباً لِلنُّقود. ولِذالك لا أثِق في ما يقول أبداً.
فتأمّلَتْ أختي جوابي وقالت:
ـ صَدَقَ الفقيه ولوْ أنّ هذا يتعارض حتى مع منطِق الأطفال، في الجنّة أنْهارٌ من عسلٍ ولَبَن. ذالك ما علّمَنا أجْدادُنا السّالِفون ..!
فكّرْتُ في عِبارة أختي: “عندما نموت فإنّنا لا نموت، بل فقط ننتقل إلى حديقة لا نهاية لها…”. فقلتُ لها:
ـ عندما ينتقل الموْتى إلى تلك الحديقة الواسِعة، هل يمكن أن نراهم ويروْننا ؟
ـ لا يا أخي، ما دامَ أنّ الأمْوات في عالم، والأحْياء في عالمٍ آخَر، فإنّهما لا يمكن رُؤْية بعضهما البعض. هناك جِدارٌ بينهما يمْنَع تواصُلهما. وهذا الجِدار هو الحياة. إنهم ينتظروننا في تلك الجنة، وعندما سنموت وننتقل إليهم سنراهم ونعيش معهم من جديد.
ـ أتمنّى أن أموت لِأنام في حِضْنِ أبي كما كنتُ أفْعلُ دائماً وأتكوّر في حِجْرِه مُنْذُ فطْمي. وتلك العادة أو الإمْتياز كانت من بين أسْباب كُرْهِ أخي عبد الله ومَقْتهُ لي، والذي اسْتمرَّ لِحَدِّ الآن ونحن كُهول..!
ـ إذا مِتَّ اليوم أَثَمَحْمُونْتْ اَنَّغْ سترى أبانا.
ـ أشْتاق أن أراه، ولكني لا أريد أن أُغادِر عالمك لِأنّي أحبّكِ أختي مريم. عندما ستنْتقِلين أنْتِ إلى عالم أبي وتموتين سأذهب معك آنذاك…
سمعْنا صوت أخي مْحَمَّذْ الذي كان قد عادَ من هولندا بعد سفر أبي بيومين لِيرْعى الدار والعائلة خلال سفره إلى الجزائر. فقُمْنا أنا وأختي مريم باحثين عن أمّنا التي كانت تتحدّث معه ويقول لها:
ـ لَلاّ، لقد سمعْتُ بما جرى لِأبي. الرجل الّذي أتاكم بالخبر والذي كان عائداً إلى “ياثْ حْسايَن”، مَرّ من مرْكز المدْشرة حيث كنتُ جالِساً قُرْبَ دكّان احمد أبَرْشَن وأخْبرَ الجميع بالحادث. ولابُدَّ أنْ نُقيم لِأبي جنازة الغائب وصَدَقَة غداً.
ـ فِعْلاً يا ابني أنْتَ مُحِقّ.
كانت أمّي تحترم أخي من أبي وتُناديه إبْني لِأنّهُ كان في عُمْر شقيقي الأكبر مُحمد الذي انتقل بعد زواجه ليسكن ويشتغل كخيّاط في مدينة أزْغَنْغان. وأظافتْ:
ـ سأُعْطي الأوامر من الآن لِلْخَادِمات لِغرْبلةِ الطّحين وتهْيئ الطّعام لِلغد. ثمّ ذهبتْ.

الخرْفان التي نراها وسط الدار لِأختي حادّة التي لا زالتْ تسكن ببني سيدال إلى الآن والتي تستعمل دارنا المهجورة كإسْطِبْل لِغنمها. والغرفة التي في الصورة مع نافذتين هي غرفة نوم أمّي. فيها رُكْنٌ داخلي على اليمين لِخزْنِ الزرابي والأغطية والملابس. وعل اليسار حمّام لِلإغتسال. وأمام الغرفة شُرْفة طويلة عالية نِصف متر بُنِيَتْ بالحجارة والطّين (ثَنْهَرْثْ) التي كنا نجلس عليها ونتأمّل الدجاج والديك الرّومي والقطة الصفراء والكلبان وِيذا وعَسّاس

 

في الصّباح التّالي نهَضَ الجميع باكراً لِتَنْظيف المنزل وتهْيئ الطّعام لِلضُّيوف المُعَزّين في وفاة أبي رحمه الله. وكان أوّل مَنْ وصَل، أختي الكبيرة يمينة مع ابْنها محمد اللّذان أتَيا مَشْياً على الأقْدام من “ياثْ حْسايَن” مُروراً من “ثانوث نَرَمّان”. وبعْدها وصلتْ أختي رْقِيَة رحمها الله هابِطةٌ مِنَ الجبل حيث “ثِيمِيزا”  بِرُفْقةِ زوْجها الدُّهْري.

 

كانت لابِسة جِلْباباً أسْود مع لِثام ونظّارة سوداء وقُفّاز، تماماً مثل أخْتي يمينة. ثمّ بدأ  يتقاطر على دارنا مُعَزّون آخرون بينهم نِساء ورِجال مِن مُخْتلف المداشِر المُجاوِرة والبعيدة. وكانت غُرْفة أمي هي المُخَصّصة لِلنِّساء، في حين كان بيت أخي مُحمد الفارغ هو الذي يجلس فيه الرّجال الذين كان يستقبل تعازيهم أخي مْحَمّذ.

أخي مْحَمّذ الذي هاجر إلى هولندة رحمه الله

 

مَرّتْ أيّام وأسابيع كئيبة على جنازة الغائب المُغْتَرِب. وقد تواترَتْ الشّهادات التي

 

حَسَمَتْ في موتِ أبينا رحمه الله في الحادث الرّهيب، ودفْنه حسب بعض الشّهود
العِيان في مدينة مَغْنية الجزائرية. وبدأنا نعيش مُقْتنِعين بوفاتِه المرير.

وأنّنا سنستمِرّ في الحياة لِوَحْدِنا، غُرباء ويتامى بدونِ سندٍ ولامُعيلَ بديل ..!