في المدينة

 

***

ركبَ أخي مُحَمّادي وأخي عبد الله في مُقدّمة السّيّارة قُرْبَ السائق. وركبْتُ أنا وأمّي وأختاي هورية وثَمونت في الخَلْف. وتحرَّكَ الطّاكسي في اتِّجاه الناظور البعيد.

كانتِ الشّمس تتوسّطُ السّماء مِمّا يعْني أنّنا قضيْنا نِصْف اليوم في الطّريق الجبلي اللاّمُسْتقيم ما بيْنَ المشْيِ ومُخْتلف أوْقات وساعات الِانْتِظار وفَتَرات الاِسْتِراحة. وكان السّائق الهزيل الجُثّة والعصبِيُّ المِزاج،  يُسْرِع وهو يُلاحِظُ الطريق ويُمْطِر أخي مُحمّادي مِنْ حينٍ لِآخر بِأسْئِلتِه المُحْرِجة:

ـ هل أنتم عائلة من رابَعْ نَتْراثْ ؟

ـ لا. نحن من أغيرْ أُمَضْغار.

ـ وأيْنَ أبوكم ؟

ـ مات في حادِثة سيْر في طاكسي مِثْل هذا في الجزائر.

قهْقَهَ مَسْعوذ وحرّكَ رأسهُ وقال:

ـ ههههه ! فَهِمْتُ، طاكْسي الفوْضى مِثْل هذا !

ونظرَتْ أمّي بِاسْتِغْرابٍ وخوْف في وجْهِ أخي مُحَمّادي الذي كان ينْظُرُ بِدوْرِهِ إليها بِنفْسِ الإحْساس والتّساؤُل. فقالتْ أمّي لِلسّائق:

ـ سُقْ بِهُدوء مِنْ فضْلِك واوْصِلْنا في أمان. عندما سمِعْتُكَ تقول أنّ سيارتك سيارة فوْضى، كنتُ أُفكِّر في النُّزولِ مِنْها حالاً لِنسْتقيل أنا وأوْلادي سيّارة أخْرى قانونية، ولكن.

فقاطَعها السّائق:

ـ ولكن ماذا ؟ اَلَلاّ، ولوْ تنتظِري يوماً كامِلاً سيارة نقل قانونية، فَلَنْ تَجِدينها. لا يوجد في هذه النّواحي سِوى طاكْسِيات الفوْضى إنْ وُجِدَتْ أصْلاً. هي نادِرة جِدّاً. نحن في المغرب غير النّافِع هُنا، والعُزْلة قدَرُ الرّيف منذ قُرون الغَزْوِ العربي. سأحاوِل أنْ أوصِلكُم إلى مَقْصدكم بِكُلِّ أمان إنْ شاءَ اللّه.

وصلْنا إلى مُنْحدر فخفّفَ السّائق من السُّرْعة. كانت إشارات المُرور على اليمين تُحَدِّدُ السُرْعة في 60 كلم في السّاعة. وعندما تجاوزْنا المُنْحدر، زاد السّائق في السُّرْعة وهو يقول لِأخي:

ـ أنا اسْمي مَسْعوذْ. لَمْ أتْرُك شيْئاً في حياتي لَمْ أشْتغِل فيه وأحْشُر فيه أنْفي. وانْتَهى بي المطاف بِربْحِ قوتي وقوت أوْلادي في وطني بِطاكسي الفوْضى هذا القديم ! عُمْري ذهبَ مع الرّيح هَباءً منْثورا..! وَزَّعْتُه بين البِطالة والتّسَكُّع والنِّضال مِن أجْلِ كرامة أهل الرّيف وحِرَف أُخْرى. أنْ تكْسبَ قوتُ يوْمِك، هو الأصْعَب والأهَمّ في الحياة. بَلْ هي أُولى كُلّ الأوْلويات. لكن في هذه المنْطَقَة، كُلُّ شيئٍ صعْب ومُسْتحيل. وصارَ الموْت أو الهِجْرة أفْضَل من الحياة هنا ألْف مَرّة..!

تابَعَ السّائقُ اعْتِرافاته المَمْزوجَة بِالشّكْوى مِن الظُّروفِ الصّعْبَة  والمَصائِب التي يُعاني مِنْها ولا يَعْرِفُ مَنْ قَدّرها وسطّرها ! وفجْأة، اِنْبَثَقَ أمامَنا رِجال الدّرَك بِسيّارتِهِم الرُّباعِيَة الدّفْع. وأشارَ أحَدُهم إلى السّائق لِيوقِفَ الطاكسي على جانِبِ الطّريق. ثمّ تقدّمَ إليْهِ وطلَبَ أوْراق السّيّارة.

ظَلَّ السّائق مسْعوذ جامِداً صامِتاً. وكرّرَ الدّركِيُّ قوْلَه بِعَصَبِيّة:

ـ أوْراق السّيّارة من فضْلِك. بِسُرْعة.

ـ ليْسَ عندي أوراق وأنتم تعْرِفونَ ذالِك.

 

فرجعَ الدّركِيّ خطوات إلى الوراء وهو يُشيرُ إلى السّائق مسْعوذ بِأنْ يتْبعه. ولمّا فعَل، جرَّهُ الدّركي بعيداً خلْفَ الطّاكسي، وبدآ يتفاوضان بِسِرّيّةٍ دونَ أنْ نسْمعهما.

اِسْتمرَّتِ المُفاوضات بين رجل الأمْن والسّائِق الفوْضوي أزْيَد من 10 دقائق ونحْن نخْتنِق داخِلَ الطاكسي الأبيض، عادَ بعْدها مسْعوذ السّائق غاضِباً مقْهورا وهو يطْلُبُ مِنّا نُقود النّقْل لِيَقْسمها مع الدّركي : 150÷2= 75 دِرْهما لِكُلِّ واحِد، ثمّ عادَ وأشْعَلَ مُحرِّك السّيارة بِعصبيّة وطار…

مضتْ دقائق طويلة منَ الصَّمْتِ المُطْبق إلى أنْ كسّرَهُ مسْعوذ صارِخاً:

ـ بِسببِكم أعْملُ اليوم مَجّاناً. أوْجُه الخسارة ! مُنْذُ رأيْتُكم وأنا مُتشائِم. خْرَجْتوا عْلِيَّ.

ونظرَ الجميع في وجْهِ أمّي الذي كان مُمْتقِعاً وغاضِباً بسببِ إهانةِ السّائق الوقِحَة، وهُنا قال أخي مُحمّادي لِأمّي:

ـ هل سمِعْتِ ما تفوَّهَ به مسْعوذ أمّي ؟

فسيْطرَتْ أمّي على غضبِها حالاً، وبَلَعَتْ إهانة السّائق لهم بِمرارة وإحْساس بالنّقْص وجُرْحٍ عميق وقالت:

ـ لا بأْسَ يا ابْني. مسْعوذ قال الحقّ. رُبّما هذا اليوم ليس يومنا. الحَظُّ غائب وليس حليفُنا. وقد أعْدَيْنا السّيّد مسْعوذ بِنَحْسِنا، إسْمَح لنا سيِّدي من فضْلِك وسُقُ بِهُدوء دونَ أعْصاب لِنصِلَ كُلّنا في أمان. هذا هو المُهِمّ الآن. نحن فُقراء ولا نمْلِكُ قوت يوْمِنا. لَوْ كان عندي ما يكْفي من المال لَأعْطيْتُك أكْثَر..!

اِسْتمرّ الطاكسي في اللّفِّ والدّوران حوْلَ مُنْعَرَجات الطريق في صمْتٍ كاسِح. كان كّلٌّ مِنّا مُسافِر بفِكْرِهِ الحزين خِلال سفرنا مُفَكِّرين في ما جرى وما ينْتَظِرُنا.
في الواقِع، أجِدُ هذه الهِجْرة الكئيبة والمَنْحوسة قد دَمّرتْ اِسْتِقْرارَنا ولَوْ مُؤَقَّتاً. ولكن لم يكن هناك خِيارٌ ثالِث..!
رَفَعْتُ نظري لِأرى السماء من النافذة تُنْذِرُ بعواصف عنيفة. سينْتهي اليوم عاصِفاً ونحن لا ندْري أيْنَ سَيَحُطُّ بِنا الرّحال ولا إلى أيْنَ نحن هائِمُون ..! فكَّرْتُ في هذا الصّمْت المُريب والمُمِلّ والذي هو اسْتِمْرارٌ لِحِدادِ وفاة أبي… مُنْذُ أنْ مات، والحُزْنُ شقيقُنا وظِلّنا وقدرنا الذي لا يُفارِقُنا… ليْتَ الحياة بِلا موْت، لِيَعودَ كُلُّ شيء كما كان، وأعودُ إلى أحْضانِ أمّي وأبي وأنا وأخي عبد الله نَلْعب دور عِصابة لُصوص “أرّْفْرِشْكو” في طبيعة بني سيدال..!

هَبَّتْ رِياحٌ عاتِية حامِلة معها غُبار ضواحي “أزْغَنْغان”ورائِحة تُرْبَتِه. وبدأتْ تتراءى لنا بِنايات المدينة من بعيد. في هذه المدينة كانت أمّي تملكُ داراً أهْداها لها أبوها تعْويضاً لها لِلزّواج بِأبي رحمهم الله جميعاً.

لا زالتِ الرّياح مُسْتمِرّة وشديدة الهُبوب، مَصْحوبَة بِقطرات من الماء. والسيّارة تسير بسرعةٍ مُتوسِّطة حسب اتِّفاق أمّي والسّائق الصّامِت. كنتُ أتأمّل ضواحي مدينة “أزْغَنْغان” بِاهْتِمام. لم يسبق لي أبَداً أنْ رأيْتُ مدينة من قبْل. وبدأتِ المدينة تبتعِد شيْئاً فشيئا، لِتخْتفي وراءَنا كما توارتْ دارنا من قبل. وكسّرَ السّائق مَسْعوذْ الصَّمْت سائِلاً:

ـ أيْنَ ستنْزِلون ؟ ما هو عُنْوانُكُم ؟

ولمْ يسْتطِع أحَدٌ أنْ يُجيب. لِأنّه لا أحَدَ فينا يمْلِكُ الجواب على هذا السُّؤال ..! واسْتمَرَّ الصّمْت بِلا جواب إلى أنْ كرّرَ السّائق سُؤاله بِصيغَةٍ أُخْرى رُبّما ظنّاً مِنْهُ أنّنا لم نفهم السُّؤال بَعْد. فقال:

ـ دارُكم، أين تسْكُنون في الناظور ؟ إسْم الحيّ مثلاً.

فأجابه أخي مُحمّادي:

ـ نحن لا نسكن في الناظور. نحن بِلا عُنْوان.

فتدخّلَتْ أمّي قائلة:

ـ لَمْ نصِل إلى الناظور بعْد، فلِماذا تسْبقونَ الأحْداث. عندما تصِل إلى وسط المدينة سنَنْزَل.

 

اِزْدادتِ الطّبيعةُ اضْطِراباً والرّياحُ هيجاناً والأمْطار غزارة. واسْتمَرَّ السائق في قِيادتِهِ واجِماً. وبدأتْ ضواحي مدينة الناظور تظْهر شيئاً فشيْئاً. لا شيء يرْبِطُ أزْغَنْغان والناظور ما عدا 7 كيلومِتْراتٍ من القِفار.

خرجَ السّائق من صمْتِهِ سائِلاً:

ـ نحن الآن في وسط المدينة. فماذا تفْعلون ؟

فقالتْ أمّي وهي توقِظُ أُخْتَنا الصُّغْرى ثَمونْتْ التي كانت نائِمَة:

ـ سننْزِلُ هُنا، شكراً لك.

وتناولتْ من جيْبِها قِطْعة نُقود من فِئَة 5 دراهم وناولتْها لِلسّائق وهي تقول:

ـ هذه هدية لك يا مسْعوذْ جزاء صبْرِكَ معنا. إسْمَحْ لنا.

أخَذها السائق شاكِراً ومضى بِسيّارتِهِ المُهْترِئَة البيضاء وهو يُلَوِّحُ لنا بِيَدِه يُودِّعُنا ويقول:

ـ حظٌّ سعيد !

أخذْنا حقائبنا وتبعْنا أمَّنا وهي تسْأل بعض النِّساء عنِ المَحطّة أو سوق شعْبية لِنتناول غَذاءَنا.