راية العُرْب

 

 

 

راية العُرْب اخفقي

***

تابَعْنا طريقنا في جَوٍّ مُشْمِس ومُعْتَدِل. مُهْتدُون بِمعْلومات الرّجل الطّيِّب الذي أدّى ثمن وجبات غذاءنا أكْرَمَهُ الله. وغادرْنا المطعم ذو الخمْسة نُجوم، وسِرْنا في الموْكِب المَلكي كالسُّيّاح الأجانِب القادِمِين من الطَّايْلانْدْ، لِنزورَ بلَداً مُتخلِّفاً ! نمْشي أنا وإخْوَتي وأخواتي مُتَبَخْتِرين مُبْتَهِجين، نتأبَّطُ هواتْف الأيْفون 8 +، وآلات التّصْوير العالِية التِّقْنِيَة، ونتنزّه في أكْبر شوارِع مدينة الناظور الجميلة، نَجُرُّ حقيبة ” سامْسونيت” السّوْداء الدّيبْلوماسِيَة الغالية ونُدخِّنُ سيكار هافانا، ونُوزِّعُ الدُّلارات على مُخْتلف الفنّانين والعازِفين الذين تزْدانُ الشّوارِع بِوُجودِهِم. نتأمّلُ أشْجار النّخيل الباسِقَة، ونُصوِّر الآثار التاريخية الخالِدة، ومَعالِم حضارية لا توجَدُ لا في الصّين ولا في مصْر. والنّاس حوْلنا تَغْدو وتَروح..!

مشيْنا حِوالي نِصْف ساعة بِدونِ عياءٍ ولا مَلَل. الشارع عريض ومُسْتقيم ومليء بِالأشْجار، والمقاهي مُصْطَفَّةٌ على جوانِبِه. ونحن مُنْتفِخي البُطون مِن جراءِ التُّخْمَة. وأفْراد عائلتي تناولوا غِذاءهم في قصْر الإيليزيه، في مأْدُبةٍ خيالية مع أشْخاصٍ كِرامٍ عُظَماء..!
شاهَدْنا عربة صغيرة لِشابٍّ يبيع المونادا والحلويات على رصيف “مقْهى عالُوش” المُكْتضّة بالبشر. فرَمَقَتْنا أمّنا ننْظُرُ ونُحَدِّقُ في العربة الخشبية المُزْدانَة بِأنْواعِ الحلْوى المُخْتلِفة الألْوان والأشْكال. فأخْرجتْ من جيبها دِرْهمان، ورافَقَتْنا إلى العربة لِنَشْتري ما نُريد. وسألَتْ أمّي الشّاب عنِ مكان الجمْعية الخيرية. فأشار بِأصْبعِهِ إلى اليمين وهو يقول:

ـ أتريْن ذاك الجِدار الأبيض الطّويل هُناااااك؟ ذاكَ هو السِّجْن المدني. والدّار الكبيرة البيضاء التي قبْلَه هي دار الخيرية، دار المساكين.

فشكرتْهُ أمّي وذهبْنا في الاِتِّجاه المَقْصود…

وصلْنا إلى الجمعية الخيرية وأمَرنا الحارِس المُسِنّ الذي كان يتكلّمُ العربيّة بِالاِنْتِظار دون أنْ نفْهم ما يقول ! بَدَأَ السُّيّاح الطّايْوانِيُّون يُواجِهونَ عراقيل لُغَوِيَة. لَمْ نتحَدّثْ أبَداً بهذه اللُّغَة الغريبة في دارِنا بِبني سيدال. “أَكَعْدو الواغَشْ!”. لم نفهم شيئاً..!

اِنْتظرْنا على مقعدٍ خشبي طويل يتّسِع لِثمانية أشْخاص. لَمْ أرَ أبَداً مِثْله ! ولمّا سألْتُ عنْهُ أمّي قالت:

ـ هذه هي المقاعٍد الجماعية التي تسْتعْمِلُها الجمعية لِجُلوس الأطْفال لِلْأكْل والمُطالَعْة.

رأيْنا رجُلا طويلاً وبديناً مُقْبِلاً نَحْوَنا. رُبّما هو المُدير وقد أخْبَرَهُ الحارِس العربي بِوُجودِنا. إنّهُ فِعْلاً المُدير الرِّيفي الوسيم. وكيْفَ لا أعْرِفُهُ وهو الذي قتلني يوْماً بِالعَصى في رِجْلاي حين أمْضَيْتُ في دَفْتَرِ النّتائِج المدْرسية لِصديقتي التي كانتْ أوَّل حُبّ في حياتي: “رْمُومْنَة” الغالية والجميلة والهيْفاء القامَة، والتي كانتْ نتائِجُها كارِثيّة في تِلْكَ الفَتْرَة الأولى من السّنة الدِّراسِية 1963 ـ 1964، ولا سَيّما الفرنسية. كل نُقطِها كانت لا تتجاوز 3 على عشرة تقريبا في كل المواد، ما عدا القُرآن والتربية الإسلامية 9 على 10. لِذالِكَ رفَضَ المُدير إمْضاءَها لِأنّها نتائج غيْر سارَّة ولا مُشرِّفة، وأنّ التِّلْميذة “رْمُومْنَة” السّاحِرة الجمال، لا يبْدو أنّ لها غَرَض في الدِّراسة بَتاتاً وأنّ همّها الوحيد الزّواج. فما كانَ على التّلْميذ عبد الرحمان “عاشِق رْمومْنَة” الوَلْهان، إلاّ أنْ يُمْضي دفتر النتائِج المدرسية في مكانِ المُدير بعْدَ أن توسّلَتْ إليَّ مُلِحّة ومُسْتعْطِفَة وهي تُقَبِّلُني على فمي.

 

حبيبتي وحبي الأوّل في الجمعية الخيرية الإسلامية بالناظور. رْمُومْنَة السّاحرة والفائقة الجمال.

سيظلُّ عابِد الجمال يعبُدُكِ حبيبتي. أنا عبد الرحمان التلميذ المُجتهد الذي كان يُساعِدكِ فيالتّمارين

والواجِبات المدرسية، ويُزَوِّقُ لكِ لافِتات جميلة. هل تتذكّرين يوم تركْتِ عِندي مِحْفظتك وسمحْتُ
لِنفْسي بِكِتابة بعض عِبارات الحب في دفْترِ العربية. فغضِبْتِ مِنّي كثيرا لِأنّ مُعلِّمتكِ وبَّخَتْكِ على

ذالك ؟ صديقتي الرّائعة،  مضتْ 52 سنة على فِراقِنا الحزين في آخِرِ لِقاء بيننا أمام داركم في “بُوبْلاوْ”

مع أمُّكِ، وأنا دائماً أعود وأفكِّر فيك وفي كل اللّحَظات الجميلة التي عِشْناها معاً في الجمعية في ذالك

الزّمن الجميل..! هل أنتِ حيّة وبِخيْرعزيزتي؟ وفي أيِّ مكانٍ وبِلادٍ تعيشين ؟ أجيبيني من فضْلِك.
فبَعْدَ نِصْف قَرْنٍ مضتْ، لا زِلْتُ دائِماً أحِبّك..!

 

 

 

كان الرجُل الطّويل والبدين المُقْبِل نَحْوَنا، مأْلوف ويسْكُِنُ ذاكِرتي كما سكنْتُ معه في دارِه بِمليلية. وكيفَ أنْساه وهو الِمُديرٍ العطوف الذي كان يُعامِلُني بِكُلِّ احْتِرام وحنان كأنّني إِبْنِه، ولاسيّما عِنْدما اصْطَحبني إلى دارِه في “بارِّيُّو” في مليلية عام 1971، حيثُ أقمْتُ 10 أيّام في دارِه أحْياناً بِرفْقتِه وأحْياناً وحيدا، لِأنّه كلّفني بِرَسْمِ 3 جِدارِيات كبيرة على جُدْرانِ صالونِه حيث يستقْبِلُ الظُّيوف، ومَدّني بِمَفاتيح منْزِلِه بعد أن مَلَأ الثّلاّجة بالمشْروبات والعواصِر ومُخْتلف الحلويات. وقبْل أن يذهب، قادني إلى نافِذة وهو يقول لي:

ـ عبد الرحمان، أنا سأغيبُ عنْك. وأنتَ لن تُنْهي عملك الفني قبل أُسْبوع أو 10 أيّام على الأقلّ. أوصيك. هل ترى ذاك الدّكّان هناك ؟ صاحِبُهُ رجل ريفي يتكلم الرّيفية. هذه 200 بَسّيطة إسْبانِية لِتَشْتري “بوقَضِيَواثْ” (السّانْدْويش) عنده. لِأنّكَ لا تتكلّم الإسْبانية. نحن في عُطلة الصّيْف. وسأسافِر لِأرى أوْلادي في الريف. أرسم جيّداً واعْمل مناظِر طبيعية بِدون أوجه البشر والحيوانات، لِأنّهُ حرام ! لقد أوْصيتُ صاحِب الدُّكان الرّيفي أن يعطيك ما تُريد ولَوْ لم يكن عندكَ نُقود. أنا سأعود قبل نِهاية الأُسْبوع. مع السّلامة.

كان الرّجل أبيض البشرة وحسن الوجْه، يخْطو نحْوَنا والحارِسُ العربي وراءَه. سلّمَ علينا وسألَ أمّي:

ـ هؤلاء أوْلادُك ؟

ـ نعم سيّدي

ـ أين أبوهم ؟

ـ مات

ـ أين تسكنون ؟

ـ في “أغير أُمَضْغارْ”

ـ طيِّب. أدْخلي مع أولادِكِ إلى الكاتِب لِيُسجِّلَ كُلّ هذه المعلومات.

عندما دخلْنا إلى مكْتب المُدير، وجدنا رجُلاً قصير القامة، أحْدَب الظّهر، جالِسٌ وراء مكْتبه ولكنّنا لم نكن نرى سوى عنقه ووجْهه لِقِصَرِ قامتِه. فطلب مِنا أن نتقدّم الواحِد بعد الآخر اِبْتِداءً من كبيرِنا. مُشيراً إلى أخي الكبير مُحمّادي لِيَقْتَرِبَ منه لِيُسجِّله. فقالت له أمّي:

ـ لا سيّدي، الأرْبعة الآخرين فقط مَنْ تُسجِّل. اِبْني الكبير هذا سيذهب معي لِنبْحَث عنِ الكِراء.
وبدأَ يُسجِّل الواحد بعد الآخر حتى وصَلَ دوْر أخْتي هُوَرِيَة. فسألتْهُ أمّي:

ـ وهل عندكم بنات هنا ؟

ـ نعم. عندنا جناحان: جناح لِلأوْلاد، وجناح خاصّ لِلْفتيات.

عِندما أنهى الكاتِب تسجيلنا، قامَ من كُرْسيِّهِ الذي كان ابْتلعه، لِيُعَرِّفُ لنا نفْسه:

ـ أنا اسْمي محمد بنّيس، مُقْتَصِد الجمعية.

ونادى على الحارس لِيرْشدنا إلى مكاننا.

جاء نفس الحارس الذي يتكلّم العربية. وأشارَ علينا أنْ نتْبعَه. فأشْهَقَتْ أختي الصُّغْرى بالبُكاء وهي تلْصَقُ بِأمّي وتَتَشَبَّث بِإزارِها الأبيض. وتَصْرَخ:

ـ أنا لَنْ أبْقى هُنا. سأذهب مع أمّي.

فأخذتها أمّي وعانَقَتْها وهي تُقبِّلها وتمْسح دُموعها وتقولُ لها:

 

ـ لَنْ تبْقَوا طويلاً هنا يا صغيرتي. سنبحث أنا وأخوكِ مُحمّادي عن مَسْكَنٍ لنا وسآتي لِتذْهبوا معي إلى بيْتِنا الذي سنكْتريه. لا تبْكي يا ابْنتي العزيزة. لَنْ تطُولَ إقامَتكم هنا طويلاً. أنا أيْضاً لا أسْتطيعُ العيْش بعيدةً عنْكُم. وسالتْ قطرات الدُّموع من عُيونِ أمّي وهي تُودِّعُنا بِحُزْنٍ عميق..!

***

قادَنا الحارِس العربي إلى قاعةٍ كبيرة مليئة بالطاوِلات والكراسي الخشبِية الطّويلة. كانتْ جُدْرانها مُزيّنةً بِرسوماتِ الأطفال النُّزَلاء فيها آياتٍ وأحاديث نبوية ثحُضُّ على الصِّدْق والأمانة والنّظافة واحتِرام الآخرين. ووسط الجِدار الأمامي كانت مُعلَّقَة ساعةٌ كبيرة كانت تُشير حسب أخي عبد الله إلى الرّابِعة والنِّصْف زوالاً. ووَرقة مكْتوبٌ عليها: قاعة المُطالعة والتي كانت تُسْتعْملُ أيضاً لِلطّعام كما يوحي منظرها ورائحة الطّعام المُنْتشِرة فيها. دخلْنا إلى المطْبخ وأمر الحارِس إحْدى الخادِمات بِمُرافقةِ أخْتاي هورية وثمونْت إلى جناح الفتيات، وتبعْناه أنا وأخي عبد الله إلى ساحةٍ في الهواء الطّلْق في الجناح الخلْفي لِلجمعية، حيث كان الأولاد جالِسين على الكراسي الخشبية الطّويلة يُردِّدونَ الأناشيد مع أحد التلاميذ الكِبار المُربّون ، والذي أجْلَسَنا وسَطَ الآخرين واسْتمرّ في تحْفيظ الأناشيد لِلْأطْفال:
ـ راية العُرْبِ اخْفُقي … وار

 

ء   تَأمّلْتُ المشْهَد وأخي عبد الله الذي كان بِقُرْبي ونحْنُ مُلْتصِقين. كان معنا 25 تِلْميذا كلّهم يذهبونَ إلى المدارِس، وكانوا كلهم يُردِّدونَ النّشيد بِطَلاقَة، مِمّا يدُلُّ على أنّهُم تدرَّبوا جيّداً على هذه المَحْفوظات الرَّسْمِيّة.ء

ء   بدأتُ أحْفظُ بعض الكلِمات وأردِّدُها مع الجميع والنَّوْم يغْلُبني. حتى شعرْتُ فجْأةً بِالمُدرِّب يصْفعُني صفْعَةً خفيفة لِيوقِظني. كنّا جميعاً تَعْبانين ومُنْهَكين لِأنّنا أمْضَيْنا اليوْمَ كُلّه في الجرْي والتّنَقُّل ومُساءَلة النّاس عنِ العناوين لِنبْحَثَ لنا عن عُنْوانٍ ..!ء

ح  حَدّقْتُ فيه مرّتيْن لِأتأكّدَ من الخضير المُربّي الذي حَمَّلني لِيضربني المُدير يوْم إمْضاء دفْتر نتائج صديقتي رْمومْنَة. وقِح وابْنُ الحرام ! كمْ أكْرهُه، لا لِأنّهُ حمّلني لِيضْرِبني المدير. ولكن لِأنّه مع 5 من إخْوتِه المُخْتلِفي الأعْماروأمِّهِ التي تشتغِل طاهِية وعامِلة نظافة في الخيريّة، كانوا قد اِسْتعْمروا الجمْعية تماماً كأنّها دار أبيهم..!ة

اِ   اِسْتمرّ الأطْفال في ترْديدِ النشيد الوطني الذي يُمجِّدُ علم بِلادنا:ء

يا علمي يا علم يا علمي يا علم
يا علم العرب اشرقي واخفقي في الأفق الأزرق
يا نسيج الأمهات في الليالي الحالكات
لبنيهن الأباة كيف لا نفديك كل خيط فيك
دمعة من جفنهن ، فبلة من تغرهن ، خفقة من صدرهن
يا علمي
يا علم العرب اشرقي واخفقي في الأفق الأزرق يا علم
سر إلى المجد بنا وابني منا الوطن
قد حلفنا للقنا حلفة ترضيك أننا نسقيك

من دماء الشهداء ، من جراح الكبرياء ، عشت للمجد سما

يا علمي

ح   حتى ارْتفعتْ صرخات آذان المغرب المُنْبثِقة من أبْواق الصّوامِع، فأمرهم المُربّي لِيَتوقَّفوا عن الإنْشاد والدّخول لِتناولِ العشاء. وكانتْ هذه أوّل ليلة نقْضيها في دارِ المساكين بعيداً عن أمِّنا..! و

 

 

يتبع