فقرة 33

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة محمد الخامس ـ الرباط

يوميات فنان مهاجر –  بحثاً عنِ الزمن الضّائع

سنوات الرباط

*** *** ***

ء    ستكون هذه المرحلة من الدراسات الجامعية، منعطف تاريخي حاسم في حياتي كلها. وستُمدّني بخارطة طريق تُضيء وجودي، وتوسِّع من أفقي لِأرى خطوط المستقبل بوضوح أفضل. كما أنها ستكون حافلة بمبادئ إنسانية بدأتْ تغزوني وتترسّب بعمق في اغوار لاشعوري، لتبقى ثوابت شخصيتي، مُغيّرة نمط حياتي جذرياً، لِيصير تحقيقها هدفي في المستقبل القريب والبعيد، والذي سيُضْفي معنى على وجودي العبثي: منذ السنة الأولى، تأطّرتُ كإطار في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وصرتُ رئيس خلية حزبية مكوّنة من 3 أو 4 أعضاء، مهمّتنا نشر إيديولوجية الحزب الاشتراكية ومبادئه السامية بتفانٍ، والتي تتلخص في النضال المستمر من أجل تحقيق الديمقراطية الحقيقية، وتهيئ أجواء العلمانية، والمساواة في الحقوق بين كل المواطنين، والدفاع عن الفقراء المستضعفين، واستقطاب المزيد من الأعضاء عن طريق الحوار والإقناع، في إطار الصراع الإيديولوجي الطبيعي. ولمّا تكبر الخلية أو تتضاعف من ناحية عدد الاشخاص والأعضاء المنخرطين، تنقسم إلى خليتين، وهكذا دواليك. فتكبر قاعدة الحزب وتتمدّد متوغِّلة في كل الأحياء ولا سيما المهمّشة، ومحاولة توعيتهم بِإيديولوجيتهم الطبقية التي تدافع عن حقوقهم، ويكون له وزن في حلبة السياسة، وثقل عند الشعب الذي سينتخب على المرشَّحون باسم حزبنا ليدافع عن حقوق الضعفاء. وقد كلّفني هذا النضال في إطار الحزب، كثيراً من المشاكل مع “المَخْزَن” المغربي، وذالك بسبب الشعارات الثورية التي كنا نرددها جهارا نهارا وعلى مسمع ومرأى كل الناس، والتي كانت مُناهظة لِهذا النظام الذي لم يكن أبدا مرغوبٌ فيه. وكذالك بسبب المطبوعات السياسية والكاريكاتورية الساخرة، وصور المهدي بن بركة وعمر بن جلون وملصقات ثورية أخرى ممنوعة كصور تْشي كيفارا وماركس وماوتسي تونك، كنّا نوزعها على المتظاهرين ونرميها للناس في المقاهي ولِكل المارّة، واعتُقلتُ عديداً من المرات لبضع ساعات وأحياناً لِبضعة أيام، خضعتُ فيها للتحقيق في مخافر الشرطة…ء
ء    في هذه المرحلة الجامعية تعلمتُ ايضاً عادة التدخين بفضل فتيات الجامعة، ووجدتُ فيه شيئاً من الحرية في السلوك وإثْباتاً لِلذّات المراهقة، بعد ان كنتُ في بداية اِلتحاقي بالجامعة، مشلولا بالخجل. وكنتُ احمرّ حياءً وإِحْتِشَاماً وانا اعتذر عن عدم قبول السجائر الفاخرة التي كانت صديقاتي الجاميات يقدّمنها لي بِرُقيٍّ فاخر، ونحن في المقهى أو في الشارع العام. وهذه الظاهرة لا توجد عندنا في الناظور المحافظ.ء
ء    في اليوم الأول الذي دخلتُ فيه الجامعة، كان همّي الأوّل، أن أتعرّف على أساتذتي، واستكشف محيط الكلية. وعرفت مكان الإدارة والمدرجات. وكذالك المكتبة التي فرحتُ باكتشافها كأنني عثرتُ على مغارة كنز علي بابا، ومقهى الجامعة الذي يبيع السندْويشات والمشروبات ويصلح للمناقشة والمراجعة والتدخين، والتي يلتقي فيها الأصدقاء من كل أقاليم الوطن…ء
ء    كان مقهى الجامعة غاصّ بالطلبة صباح ذالك اليوم الإثنين من شهر سبتمبر 1977. جلستُ في أحد الأركان أتأمّلُ الطلبة والطالبات حولي يدردشون ويدخنون. فسألتُ زميلا جالساً قريبا مني:ء
ء    ـ من فضلك، أين يمكن أن أجد طلبة السنة الأولى فلسفة؟ء
ء    ـ أنا في السنة الأولى فلسفة.ء
ء    ـ رائع إذن! وهل أنت من الرباط؟ء
ء    ـ لا. أنا من وجدة. لماذا؟ء
ء    ـ في الواقع أبحث عن طالب أو طالبين لنتقاسم الكراء.ء
ء    ـ هذه صدفة جميلة. أنا وصديقي هذا نبحث عن طالب لِيكري
معنا. لنا نفس المشكل والحل بين أيدينا. ما رأيك؟ء
ء    ـ وهل وجدتم الدار وأين وكم ثمنها؟ء
ء    ـ نعم. في حي المحيط. 600 درهم.ء
ء    ـ 200 درهم لكل واحد. رائع! سأسكن معكم إذن.ء
ء    كنتُ قرّرتُ مع نفسي سابقاً أنني سأسكن هذا العام مع الاصدقاء في الرباط وليس في الفيلاّ بِسلا لِبعدها عن الجامعة ومعهد الفنون. وجدتُ هذا الحل أمْثَل من العيش مع تلك الأسرة الكريمة. لا أريد أن يفكروا أنني استغلهم، أو أنني أذهب عندهم عند الحاجة فقط، أو عندما تتقطّع بي السُّبُل. ولاسيما انهم يرمون إلى علاقة المصاهرة بين عائلتينا على المدى البعيد. كنتُ أحترمهم جميعاً، ولاسيّما نعيمة وعمتي الحاجة ونجية وعمي الحاج. الكل في الواقع كنتُ أحبهم وأعتبرهم عائلتي وإخوتي. ولتبقى علاقاتنا محترمة، ومن باب الوقار، فضّلتُ أن ابتعد عنهم هذا العام على الأقل…ء
ء    ـ أنا اسمي نور الدين الوجدي. وصديقي طالب في علم الاِجتماع. اِسمه عمر. هل ستأتي معنا الآن؟ء
ء    باغتني الزميل بسؤاله الذي ايقظني من شطحاتي الذاتية، مضيفاً:ء
ء    ـ يمكن ان تذهب معنا الآن لتعرف موْقع الدار. هل لك أثاث؟ء
ء    ـ متشرف السّي عمر. لا، ليس لدي أثاث ما عدا محفظتي السوداء هذه. انا اسمي عبد الرحمان.ء
ء    ـ إذن هيا بنا يا عبد الرحمان.ء
ء    خرجنا من الجامعة ونحن نتناقش في موضوع مقرّر الفلسفة والأساتذة الذين سيدرِّسوننا هذه السنة: الدكتور محمد عابد الجابري الذي كان مؤسِّساً للفكر الفلسفي في المغرب، ومثقفا اشتراكيا من قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وهو المعارضة الرئيسية للحكم في المغرب طيلة الربع الأخير من القرن الماضي. والذي كان في صراع مع الملك الحسن الثاني حول تقليص تدريس مادة الفلسفة في الثانوي ومحاربتها لأنها تشجع الفضول المعرفي وحب الإطلاع وطرح الأسئلة. وألغِيتْ شعبة علم الاجتماع الذي كان يتهمها النظام بعلم التعرية، وبدأ تقليص دروس الفلسفة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي مع الحسن الثاني بالتزامن مع الاحتجاجات ضد النتائج الاجتماعية لسياسيات التقويم الهيكلي التي سماها المغاربة “شي يأكل شي يشوف” (البعض يأكل. والبعض الآخر يكتفي بالنظر للصحون).ء

أساتذتي الأجلاّء

حينها قُتل العشرات في احتجاجات يونيو 1981 بمدينة الدار البيضاء. سماهم وزير الداخلية إدريس البصري في البرلمان “شهداء الكوميرا”. وقد لعبت الكتب التي ألّفها دورا كبيرا في تشكيل وعي جيل بكامله بمساعدة الدكتور احمد السطاتي الذي سيدرسنا تاريخ الفلسفة الإسلامية واتجاهاتها ومذاهبها بمنهجية رائعة. والدكتور علي سامي النشّار المصري المختص في تاريخ تطور التيارات الإسلامية بكل تفاصيلها الدقيقة. والدكتور خليل العمراني المتخرج من إحدى الجامعات الفرنسية يدرسنا علم النفس المرضي. والدكتور محمد جسّوس في علم الاجتماع الذي كنتُ أميل إليه. وأساتذة المنطق والإيبيستمولوجيا والأخلاق وغير ذالك.ء
ا    اِتّجهنا نحو محطة الحافلات. كان مكان الانتظار غاصّاً بالمسافرين. وتابعنا الطريق على اقدامنا. مررنا على حيّ دْيور الجامع، ثم عرجنا شمالا إلى أن وصلنا حيّ المحيط الكثير الضباب والرّطوبة. ودخلنا الشقة على الرصيف في حي شعبي فقير.ء

ء    في الطريق إلى دارنا الجديدة، كنا نمشي ونتحدث عن شظايا الذكريات. كان الصديق الجديد نور الدين الوجدي الذي يكبرني بعام، يكرّر السنة الأولى فلسفة بسبب مشاكل وقعت له العام الماضي، فلم يستطع اِجتياز الامتحان. أما صديقه عمر، فهو ريفي الأصل، ولكنه تربى في وجدة ولذلك لا يعرف من الأمازيغية سوى بضع الكلمات، أغْلبها رديء ومُبْتذل. وقد نجح مثلي هذا العام في الباكلوريا، فالتحق بالجامعة لِيدرس اللغة الإنجليزية.ء
ء    كانت الشقة التي اكتريناها ب 600 درهم ضيقة، بغرفتين للنوم وصالون صغير ومطبخ ومرحاض. مِمّا يعني أنّ كل واحد منا يجب ان يدفع من منحته الشهرية 200 درهم للكراء. ولا يبقى لنا سوى 1300 درهم يجب أن نعيش بها 30 يوما، فيها مصاريف المعيشة اليومية، والجرائد والكتب والمراجع الجامعية، واللباس والأثاث والأغطية، ثم ركوب الحافلات والحلاق والحمام…إلخ.ء
ء    لم ابْقَ معهما سوى مدة 6 شهور، بسبب صديقنا الكبير عمر الذي كان معروفاً بجريانه وراء البنات من أي نوع وبدون أدنى ذوق. وكانت منحته يوزّعها خلال أسابيع على النشاط والليالي الوردية مع بنات الهوى والخمر باستمرار. إلى ان سقط يوما مريضا ولم يستطع الذهاب إلى الجامعة بسبب الآلام في ذكره. فاشترى زجاجة ويسكي صغيرة، وبدأ يشرب منها ويُقطِّر على ذكَره شيء من الكحول لِتهدئة الآلام الحادّة في عضوه التناسلي الذي يستخدمه كثيرا وبدون اِحتياط. ولكن ذالك “الدواء” والإسْتِجْداء بالشيخ الويسكي لم يُجْدِ شيئا. فاستفحل مرضه وزادت معاناته، كان ذكره منتفخاً ومحمرّاً. لا بد ان هذا الالتهاب الذي دام أكثر من اسبوع أن يكون من اعراض السّفليس. ذالك المرض الفتّاك الذي يصيب مُدمني الجنس مع بائعات الهوى. فكان ان ودّعنا ورجع إلى عائلته بوجدة. وبقينا شهرا بعده وصاحب الدار يدقّ علينا الباب كل يوم بإلحاح، ويطلب منا أداء الكراء. فاتفقنا ان وعمر ان نترك الشقة لصاحبها ونرحل من هنا…ء
ء    في الغد، ذهبت الى الجامعة وكلي أمل وعزم في إيجاد مكان جديد لِلسكنى. الفنادق الشعبية غالية بالنسبة لمن يعيش ببعض دريهمات المنحة، فضلاً عن اِنْعدام معايير النظافة والصّحّة. بحثتُ في ساحة الجامعة والمقهى. وسألت بعض الأصدقاء والمعارف. وأخيرا التقيتُ بطالب من الخميسات، كان يدرس علم الإجتماع ويسكن عند “قوّادة” في العكاري. فرافقته حيناً لِأسكن معه وأستقِرّ في دراستي.ء
ء    وصلنا إلى العكّاري قرب الجوطية. كانت الشقة التي تسكن فيها للاّ “زْهور” توجد في الطابق الاول من عمارة بيضاء مكونة من ثلاث طوابق. وكان صديقي يشغل الغرفة الأولى مباشرة بعد فتح الباب على اليسار. قدّمني صديقي الجديد للمرأة صاحبة المنزل قائلا:ء
ء    ـ السيدة للاّ زْهور، هذا الطالب ريفي من الناظور اِسمه عبد الرحمان. يدرس الفلسفة. سيسكن معي لِنتقاسم الكراء لِأنّ حالة الطلبة ضعيفة كما تعرفين.ء
ء    كانت المرأة صاحبة الشقة جميلة الملامح وهيْفاء القامة ومصبوغة الشعر. لابسة فستان الليل احمر اللون بدى رائعا ومنسجماً مع بشرتها البيضاء. تقدمتْ نحوي وسلمتُ عليها وقالت مرحّبة:ء
ء    ـ مرحبا بك السي عبد الرحمان. فعلا الطلبة حالتهم ضعيفة، ولكن الريفيون وسكان الناظور بالخصوص أغنياء. ما رأيك السّي عبد الرحمان؟ ء
ء    قالت ذالك وهي تنظر إليّ مبتسمة. وأردفتْ:ء
ء    ـ سآتي بالصينية لِنشرب الشاي معاً. أنا لم أتناول فطوري بعد. سهرتُ البارحة مع بعض الأصدقاء طويلا.ء
ء   ثمّ غمزتْ لي وقالت:ء
ء    ـ إذا كان يعجبك النشاط، فستكون سعيدا معنا السّي الفيلسوف.ء.
ء    غابتْ بعض الدقائق وعادت بطبق حلويات وبراد شاي ومرْمدة وعلبة سجائر مارلبورو مع ولاّعة حمراء. وملأت ثلاثة كؤوس وزّعَتْها علينا وهي تحكي لنا ظروف حياتها وكيف تعيش وحيدة مع ابنتها الصغيرة سليمة:ء
ء     ـ مات زوجي في حادث سيارة وهو متجه إلى عمله كموظّف في الوزارة. ولم أحصل على أيّ تعويض من الدولة. ذهب دون أن يترك لنا لا مأوى ولا تغطية صحية ولا أيّ شيء. وكان عُمْر اِبنتنا سليمة  آنذاك سنة ونصف. تشرّدْتُ ولا أعرف اين أتّجه. حُكِمَ عليّ بالإفراغ من الشقة التي نكتريها. أنا والِدايَ ماتوا رحمهم الله. ولي أخٌ واحد مريض ومُعوّق أنا مَنْ يعيله. وعائلة زوجي يكرهونني. هكذا وُجِدْتُ هنا أنا وابنتي نُصارع ظروف القهر. وأكري لكم هذه الغرفة لكي أستعينَ بها لِأعيش.ء
ء    خفظتْ صوتها عندما صرختْ اِبنتها سليمة تُناديها. وذهبت لِتبحث عنها في غرفة نومها وجاءتا معاً. قبّلْتُ الصغيرة وأعطيتها ثلاثة دراهم لِشراء الحلوى.ء
ء    تناولتْ حبّة بسكوتة ورشفتْ من كأس الشاي، ثم تناولت علبة السجائر وقدّمت لنا أنا وصديقي سيجارة لكل واحد. ثم أشعلتْ سيجارتها وبدأت تدخّن.ء
ء    قدّرْتُ فيها صراحتها وشخصيتها القوية وثقتها بنا. ولا شكّ أنها عرجت على حياتها السابقة لتجد مُبرّراً لِوضعيتها الآن كقوّادة من العيار الثقيل، ولا سيما بعد أن قالت لي أنّ شخصيات مهمة وكوميسارات كبار يقضون عندها الليالي مع الجميلات التي تستضيفهن زْهور لهذا الغرض، النشاط والليالي الوردية مع الشموع والخمور والمخدّرات. إنها الجنة على الأرض..!ء
ء    تذكّرتُ عبارتها المُغْرية في بداية حديثنا حين قالت لي:ء
ء    “إذا كان يعجبك النشاط، فستكون سعيدا معنا السّي الفيلسوف”! حلّلتُ شفرة العبارة. كانت تتضمّن أكثر من رسالة. لاحظْتُ طريقة تدخينها وكيف تنفث الدخان من شفاهها الورديتين بروعة. آثار سهرة الأمس مع عشّاقها والجميلات التي تقوّدهنّ لِأصحابها وحماتها من الأعيان، مازالت بادية عليها. هذه المرأة تملك إرادة. حاول  القدر أن يكسّرها فصمدتْ. وهاهي مستقرة في هذا الحي الشعبي من العاصمة تصطاد الرجال والنساء معاً لِتعيش وتستطيع البقاء.ء
ء    عُدْتُ إلى موضوعنا الذي تهْنا عنه بعيدا، وقلتُ لها:ء
ء    ـ أظن أنكِ تريدين أن نؤدي لك ثمن الكراء الآن أحسن؟ء
ء    وتناولتُ ورقة نقدية من فئة 200 درهم وأعطيتها لها وأنا أقول:ء
ء    ـ هذه حصّتي. لن يكون عندك مشكل معنا من ناحية الكراء للاّ زْهور، سنؤدّي لك دائما في بداية الشهر. وأنا اعتبر نفسي محْظوظاً أن أسكن عندك سيدتي المحترمة الجميلة. وربّما سيكون هذا حافز لِأتفوّق في دراستي الفلسفية والفنية. ذالك لِأن الحوافز كدينامو مُحرّك لِلنجاح متوفرة، والأجواء رومانسية، بل أيروسية بكل معنى الكلمة،

وهذا يتناغم مع الفن والفلسفة بصفة عامة..!ء