يوميات فنان مهاجر

بحثاً عن الزّمن المفقود

 

 

1960، بني سيدال. تلك القرية الهادئة الرّابضة على جُروحِها  في شمال المغرب، والتي أنْهكتْها الحروب الإستعمارية واستعمال الأعداء لِلأسلحة الكيماوية الفتّاكة في حرب الريف، والتي أوْدَتْ بِمِئات الآلاف من الأرواح البريئة بِفِعْلِ السّرطان والحروب والمجاعة والهجرة الداخلية والخارجية، فضلاً عن الأزمات الإقتصادية المحلّية والدّولية المُتلاحقة.

كانت بني سيدال التابعة لإقليم الناضور في شمال المغرب، قرية جميلة مُلْحقة بدائرة قلْعية. ولم يكن يتجاوزعددُ سُكّانها 7 آلاف نسمة. وكانت تنقسم إلى قسمين : بني سيدال الجبل حيث يوجد في سفْحه مركز القيادة التي كان قائدها المرحوم الخضير الورياشي، والسوق الأسبوعي يوم الأربعاء ، وبني سيدال لوطا الفلاحية مسقط رأسي حيث رأيتُ النور وسط عائلةٍ سعيدة.

كانت دارنا المبنية بالأحجار والطِّين واسعة ومُسقّفة بِخشب الصّبار العالي والطّويل (أشْفِرْ). وكان طولها هو المُحدِّد لِطولِ الغُرفِ وعرْضِها من ناحية التّصْميم الهندسي. ونظراً لِعددِ أفراد الأسرة الكبيرة التي تسكنها، فقد كانت مُفصّلَة على مقاسِ حجْمِ تلك العائلة : أبي وزوجته الأولى لالّة ميمونت عيسى بغرفة نومهما بِرُكْنٍ لِلْإستحمام ( أرْشَن)، وأمّي كزوجة ثانية بغرفتها بنفس المواصفات، و11 فتاة، و6 إخْوة واحد منهم مات قبل أن أُولَد واسمه عُمر. وكُنتُ أنا أصْغرهم نتقاسم الغرف المستطيلة الأخرى مع الفلاّحين الذين يأتون من أماكن بعيدة. وعَبْدة عجوز سوداء، وخادمتين ميمونت وأختها الكبرى عيشة، فضلاً عن 2 أو 3 رجال يعملون طِوالَ السّنة وحسب المواسِم، في فلاحة أراضينا التي لا أعرفها كلها. وكان من بين هؤلاء الفلاحين عبد الله وسْعيذ وهو زوج أختي فاضمة، وبوغودان الفلاح اللّطيف الطويل القامة واللون الأسمر الغامق والذي كان أحيانا يلعب معي.

مع مُرور السِّنين، بدَأتِ العديد من الذّكْريات تَنْزاح عن فضاء مخيلتي وتنْمحي شيئاً فشيئا. وما بقي محْفوراً في ذاكرتي الْفَتِيّة بدأ بِدوْرِهِ يتلاشى تدْريجيّاً، والمحْتوى المُتَبَقّى صار مع تقادم العُمْر ضبابِياً. ومع ذالك، يروقُ لي بل يُبِهِجُني التّيَهان في هذا الضّباب الماضي لِاسْتعادة اللحظات الجميلة والشّيّقة من حياتي الطّفولية، وامْتِصاص رحيق ذكرياتي الغالية مع والِداي وإخوتي في مزرعتنا السّعيدة. إنّهُ الحنين إلى الأمْن والسعادة التي عِشْناها مرّةً واحدة، والتي لن تعود أبداً سِوى بِأحلام اليقظة ..!

لم أعُدْ أتذكّر مع الأسفِ الشّديد سوى شذرات من الأحداث البارزة والمُهِمّة في حياتي الطّفولية وسط أسرتي. مع العِلْم أنني وضعتُ مرْحلة صِبايَ خُصوصاً وأحْداثها تحت المِجْهر لِأبْحث بِشَغَفٍ متين عن كل شاردة ووارِدة، وكل التّفاصيل المتعلّقة بِعُمْري الذي مضى. لقد قُمْتُ بِمَسْحٍ عميق ودقيق لكلّ هذه المرحلة الزّمنيّة لِأعْرف كلّ خباياها وكُنوزها المعنوية والسّيكولوجية الغنية والتي هي أساس شخصيتي الآن. ودعّمْتُ قصة حياتي هذه بصور ووثائق لِمزيد من الشّفافية وتحْريك ميكانيزمات ومختلف آلِيات ” تداعي الأفكار” الذّهني لِاستحضار الأحوال النفسية المُترابِطة بعضها بعضاً بصورة تلقائية، وهذه الظاهرة النفسية هي هدفي الرّئيسي من هذا العمل العسير..! ولكن كلّ ما أعْرفه في تلك المرحلة أنّني كُنْتُ صغيراً وجاهِلاً، ولِذالك رُبّماعِشْتُ سعيداً. وأمْضيْتُ طفولة رائعة من الحُبّ واللّهو… لِهذا أهْرب من حاضري المُمِلّ والُمُرْهِق والمشْحون بالمسؤوليات من حين لِآخر، لِأتسرّب إلى فترة صِباي الماضية التي هي ربيع عُمْرِي كلّه، لِأسافر إلى بني سيدال، وأسْتمتع ببعض حلقات الحياة الشّيّقة.في جِباله الشّامخة

إنّني هنا أبحث عن عُمْري الذي مضى وانْدَثَر لكي أستمرّ في الحياة بنفس البهْجة والسّرور. وبالخيال والحُلم والإرادة، كل شيء ممكن رُبّما .. !

يوم روتيني

Photo-0106

صورة تمثّل مدخل الدار التقطها أحد أفراد طاقم التلفزة المغربية الذي رافقني لزيارة منزلنا العتيق من أجل تصوير روبورتاج تلفزي في البلْدة التي رأيت فيها النور مع أسرتي في بني سيدال لوطا.

 

– هيّا يا أولادي، سنذهبُ إلى الحديقة الأمامية لنقومَ ببعض الأشغال الطّفيفة.

هذا ما قاله أبي لِأخواي مُحَمّادي وعبد الله  دون أنْ يقصدني أنا ، لِأنّي كُنْتُ إبن حوالي خمس سنوات فقط آنَذاك.

كان  الجوّ رائعاً وكثير الاِعْتِدال ذاك اليوم الجمعة ببني سيدال ، وكان أبي قد رجعَ تَوّاً من المسجد بعد صلاة الظُّهر. وحالما انتهينا من تناول الغذاء ، أخذ أبي الفأْسَ وقُفّة عتيقة ( ثازْياوْتْ )، مصنوعة من الحلفاء جَلَبَها من وَهْران ، وهو يَتّجِه نَحْوَ البُسْتان الأمامي ويُنادي أخواي مُحَمّادي وعبد الله لِيُساعِدانِه في أعمالِ البَسْتَنة، وجَلْب السّماد من المزبلة الرئيسية على يمين الدّار.

تَبِعْتُ أبي دون أنْ ألْمَحَ أيَّ أثَراً لِأخوايَ :

ـ الشّياطين ! فعلوها مِنْ جديد كالعادة عندما يأْمُرُهُم أبي بِفِعْلِ شيء فَيَهْربون ويختفون …
لقد تبخّرا من جديد..!

عندما وصلْنا إلى عُمْقِ الحديقة ، إلْتَفَتَ أبي إلى الوراء لِيراني وَحيداً أتْبَعه كَظِلِّه .
ـ أنْتَ هُنا يا ولدي عبد الرحمان. ثُمّ انْحَنَى ورَبَتَ على كتِفي بِحَنان وقَبَّلني ثمّ قال :

ـ وَأيْنَ أخواك مُحمّادي وعبد الله ؟

ـ أنا لَمْ أرهُما يا أبي.

أجَبْتُهُ بِسُرْعة البرْق رُبّما لِأُبْعِدَ التُّهمة عني وأنا أحْني رأْسي خجلاً لِأنّي كنتُ أعرفُ أنني أكْذب ، كما أنّ أبي أيْضاً كان يعرفُ ذالك ، لِأننّي غالباً ما كُنْتُ شريكهُم في معاصيهم وجرائمهم البريئة التي كُنْتُ أُقْحَمُ فيها أحْياناً عُنْوة وأحْياناً صُدْفة، فيقابلونني بالوعْد والوعيد وكثْرةُ التَّهْديد، والخيار بين العصا أو الحلوى، وحِرْماني من اللعب معهما لِكي يشْتروا سُكوتي وعدم فضْحِهِما أمام أبي، كما فعلْتُ من قبل عديد من المرّات ، ولا سَيّما عِندما طردني أخي عبد الله بِعُنْف ذات يوم من حديقة المجنون عبد القادر المجاورة للمقبرة، حين رأيتهما مع ثلاثة أصدقاء آخرين بدون سراويل جالسين على صُخور تحت شمسٍ حارِقة ، وهم يَحُكّونَ ظِلْفَ الصُّبّار اللّزِج مع مسائلهم الحسّاسة في نشْوَةٍ صِبْيانية رائعة لم أكن أفهمها..!

في ذالك اليوم الجمعة من شهر يوليوز الحارّالذي هو موسم الحصاد، كان سيأتي عندنا كالعادةِ كلّ سنة، خالي العرْبي رحمه الله. كان يقطن آنذاك في ” بوحُوّا “. وكانت تلك القرية المباركة مَسْقط رأس أمّي المجاهد مامّة رحمها الله …

كان خالي العرْبي الشقيق الأكبر لِوالدتي ، ربما إبن الثّلاثين ، مُتزوِّج وله ولدان. وكان يسكن مع شقيقه الأصغر والأعزب المجاهد عبد السلام . وكانوا يعيشون بما تجود به أراضيهم القاحلة خلال مواسم القطف والحصاد من ثِمارٍ وزرعٍ  وحبوب . وكانت قرية ” بوحُوّا ” هذه قريبة جدا من شواطئ بحر ” بويافار”. وبالضبط نواحي ” سَمّار” و” إزَرُّوعَن “،  حيث أغْرقَ أحد أولاد خالي عبد السلام في البحر، ذاك الحمار الوحيد الذي كانوا يمْلكونه. وكانت تِلْكَ الفِعْلة الشيطانية أو البريئة مِن وحْيِ زكريا إبن خالي عبد السلام رحمهما الله جميعاً. فهو الذي اقْترح في لحظة ملل أوْ شفقة على الدّابّة، جرُّ الحمار المسكين إلى البحر لِلْإسْتحْمام، وأخْذ دوش بارد لِأنّ حرارة أشِعّة الشمس أنْهكتْه. وقفز الكل فرحاً بالفكرة، وهرْوَلَ الأولاد وبينهم أنا نحو الحمار نجرّهُ إلى البحر جرّاً، ونحن نصُبُّ عليه الماء صَبّاً، وندفعه نحْوَ الأمْواج التي ستسْتدْرِجه شيئاً فشيئاً، ونحن فرحين نعوم حوْله كالفراشات الحمْقاء. إلى أنِ ابْتعدَ كثيرا عنّا ولم نستطع أن نصل إليه  لِنُنْقِذه. وصمتْنا جميعاً ونحن نتأمّل في رهْبةٍ رقْصة الموت والحمار، وجُثّته التي بدأتْ تنْتفِخ شيئاً فشيئاً وتتوارى غارقة ثمّ تظْهرمن جديد وهي تزْدادُ انْتِفاخاً، وتبتعد رويداً رويدا، حتى ابْتلعها الأفق الأزرق ولم نعد نرى شيئاً …

كان خالي هذا مُصابٌ بداء السُّلّ الذي كان مُتفشِّياً بمنطقة الريف آنَذاك ، وكان أبي رحمه الله يتوجّسُ خيفة مِنْ مجيء خالي المريض عِنْدنا خَوْفاً أنْ يُعْدينا بمرضه الفتّاك ونحن صِغار وقليلي الْمَناعة ، وهذا ما حَصَلَ فِعْلاً فيما بعد …

BPP5lWRCMAAHiab
كان خالي العرْبي ضيْفُنا اليوم ، فقيهاً يحفظ سِتّينَ حِزْباً عن ظهر قلب، وإمام في مسجد بِ “بوحُوّا” ، يُصلّي بالمؤمنين أحْياناً بدون وُضوء ! لكنه نادِرٌ جِدّاً أنْ تراه يركع لِلسّماء أوْ لِربِّ العالمين خارج الصلاة في المسجد. كما أنّه كان مولعٌ بلعب الورق والدّومينو إلى حدِّ الإدْمان ، وهو ما سَيُسَبِّبُ لي أزْمة حادّة في العلاقة معه فيما بعد بسبب أخذي بعض حبّات الدومينو التي وَزَّعْتُها على بعض أصدقائي في الجامع حيث كنا نحفظ القرآن بدونِ فهم ..!

كانتِ الحياة في رِحابِ والِديْنا وفي مزْرعتِنا الهادئة بِ ” يات سيذار” مِثْل الجنة : الهُدوء والأمْن والحنان … وهذه هي الأشياء الضّرورية لِحياةٍ مُريحة تَضْمَنُ لكَ الاِسْتِرْخاءْ الّتام والتّرَعْرُع في مُناخٍ صِحّي نفسانياً وسليم …

بدأ أبي في حفْر الأرض واستِئْصال الأعشاب المتوحّشة وجمع الأحجار والأوراق الصفراء المتساقطة، في حين أخذْتُ القُفّة خُفْيةً وذهبت لِأجْلب السّماد لِأبي وأنا مُطأطِئ الرّأس خجلاً من تصرّفات إخوتي اللاّمُبالية تُجاهَ أبي..!

كنتُ أحبُّ من كلّ وجْداني أبي العزيز الذي كُنتُ أتخيّله كالنّسْرِ الطّائر من عُشِّه، أو الرّحّالة إبن بطوطة، يغيبُ لِمُدّةِ أسابيع وأحياناً شهور، ليشتغل في الجزائر الفرنسية من أجْلِ قوتِنا نحن فِراخه الصّغار… وهذا الذهاب والأياب إلى وهْران كان يُزْعِجُنا جميعا. ولكنه كان ضروري لِلحياة، حتى وافتْهُ المَنَيّة يوْماً في طريقه إلى هناك ومات.

0 (1393627_367723820026230_1680288137_n3)
لمحتْني أمّي وأنا أُصارع ثِقْل القُفّةِ لِأمْلأها بالسّماد الطبيعي في مزْبلتنا المجاورة، فأخَذَتْها قائلة :

ـ ماذا ستفعل بهذه القفّة الثقيلة عليك يا ابني ؟

ـ سأمْلَأُها بالسماد لِأبي. عبد الله ومحمّادي اخْتفيا ولسْتُ أدْري أين هما يا أمّي !

ـ إنّهما في الحديقة الخلْفية. أنا أرسلتهما لِقطْفِ الهنْدِيّة لِنغسلها وتبْرُد لِنأكلها بعد العصر. أبوك يحبّ الهندية.

ـ آه ! ظننْتُ أنّهما هربا من العمل. ولكن أبي في حاجةٍ إلى السّماد.

ـ أنا سآتي به. كل أخواتك والخدّامات مشْغولات بتنظيف الدار وتهْيِئَة غرفة لخالكَ العربي الذي سيأْتي عندنا اليوم.

ثم ذهبتْ أمي إلى مدْخل الحديقة الخلفية وبدأتْ تُنادي :

ـ محمّادي، عبد الله، إذا انْتهيتما من قطْفِ الهنْدية إذهبا عند أبيكما لِتُساعِدانِه.

وردّ عبد الله :

ـ إنتهينا أمّي، سنُزيل ما تبقّى من الشوك العالِق بالهنْدية ونأْتي حالاً.

Photo-1397

كانت أمّي فرِحَة ذاك اليوم أكثر من العادة. وكانت تتنقّل بِمرحٍ وخِفّة وهي تُشْرِفُ على مَجْرى الأُمور وتتفقّد الخادمات في أشْغالهنّ. ومن حينٍ لِآخر، كانت تصْعدُ على الصّخرةِ الكبيرة أمام المنزل وبِقُرْب صهريج الماء المُسَقّف، لِتُحدّق من حينٍ لِآخرفي الأفق لِترى أخاها القادمٌ لِزيارتها.

وفجأة صرختْ أختي يامْنَة التي كانت تُراقِبُ مجيء خالي من فوق السّطح :

ـ ها هو خالي العرْبي أمّي.

فأسْرعْتُ نحو أختي أسألها :

ـ أين هو خالي أريد أن أراه ؟

فهبطتْ أختي يامنة من السطح وأخذتني ورفعتني بيديها عالِياً وهي فوق عتبة الدار وتقول مشيرة بِأصبعها إلى الجبل:

ـ أُنظر فوق الجبل، هناك ” ثِميزا” حيث توجد المدرسة. إنه في الطريق فوق حماره الأسود. هيا ندخل لِنُخْبِر أمي.

وأقبلتْ أمي وطلعتْ بدورها فوق الصّخرة لِتتحقّق من مجيء خالي العربي. ثم نزلتْ مُبْتسِمة، وأمرتْنا أنا وأختي أن نساعدها على القبْض على أحدِ الدّيَكة لِذبْحِه ترْحيباً بضيفنا العزيز.

لم يمُر كثير من الوقت، حِوالي نصف ساعة تقريباً، حتى كان شبح خالي العربي المُنْحني قُرْبَ دُكّان جارنا بومَدْيَن الأعْرج، والكل ينتظر وصوله.

كنّا فرحين ذاك اليوم الجمعة الحار من أيام موسم الحصاد.

Photo-0088
الصورة حقيقية تمثل ميمون العبّاسية وهو يحصد الزرع مع فلاحين آخرين. كنا نسمّيهم ” ثَرْوَ نَتْعَبَّسْتْ ” وأمهم كانت أشْهر مُغنية في الحفلات: إزْران نَتْمَزيخت

وكان سيقضي معنا الليلة كذالك صهرنا عبد الله وسْعيذ زوج أختي لَلاّ فاظْمة. وكان أبي قد أرسل له رسالة شفوية مع أحد الرّجال الذين يسكنون بجواره في آيْت سْعيد يطلب منه أن يأتي إلى دارنا ليهتم مع خُدّام آخرين بالحصاد والدّرس وجمْع وبِناء التِّبْن على شكل قُبّة كالعادة كل عام. وكُنّا ونحن صِغار، نسْتمْتِع بحفلة “أسْبَدِّ أُرُمْ” التي تعني يوم يُشارِك كثير من الرجال (ثْوِيزا) في عملية بناء جِبال من التّبن المُحيطة بالبيْدر، وجمعها على شكل قُبّة تلُفّه شبكة سوداء مُعزّزة بِأحجار في الأسفل لِحفظه من التّشتّت بسبب الرياح، ولِمنع الطيور من إتْلافه. أثْمُنْ …

0 (3)

 

لَمَحْتُ أخي عبد الله وراء ” الباب الصغيرة ” التي تُؤدّي إلى الحديقة الخلْفية وهو يغْمِزُ لي ويطلب مني الإقْتِراب منه. ولما وصلتُ أخذ يدي وجرّني بعيداً في الحديقة وقال بصوت مُنْخفِض :

ـ الغرفة الصغيرة السّفلى هي التي سيقيم فيها خالي. تلك الغرفة لا مفتاح لها. هكذا يمكن أن ندخل ونسرق ” أرِّفْرِشْكو” مثل العام الماضي. أنْغَبَّ. ونظر في وجهي قائلاً :
ـ هل تتذكّر كم شربنا من عصير” أرِّفْرِشْكو” العام الماضي ؟

وبدأ يضحك مفتخراً بفكرته الشّيطانية ! فقلتُ له :

 

ـ العام الماضي قَتَلَنا خالي بالعصا عندما اكْتشفَ أننا سرقنا ” أرِّفْرِشْكو”. وأظن أنّه سيحْتاط هذا العام لِأنه تعلّمَ الدرس ورُبّما سيشتري قَفْلاً لِمنْعِنا من الدّخول.

ـ سننتظر ونرى. المهمّ أنْ تبقى غرفة خالي بدون مفتاح وستسهل الأمورعلينا. يجب أن نذوق ” أرِّفْرِشْكو” كيفما كان الحال ..!

سمعنا هرجاً ومرجا، فعرفْنا أنّ خالي العربي وصل على حماره الأسود الهزيل،

فتسارعْنا إلى داخل الدار. كانت أمي السّبّاقَة إلى مُعانقته بِحرارة. وتوالى الآخرون على تحيّته وتقْبيل يده. وبعد ذالك قادتْهُ أمي لِلجلوس على الشّرْفة المُظلّلَة وسط الدار هربا من حرارة البيوت الخانقة (ثَنْهارْثْ). وميمونت الخدّامة أدْخلَتْ حقيبة خالي التي تحتوي على ملابسه وأمتعته الخفيفة إلى الغرفة المخصّصة لِإقامته. أمّا أختها عائشة العرجاء، فقد قادتِ الحمار لِترْبطه في الإسطبْل مع الأحْصِنة.

Phot00o-0136

الخدّامة العزيزة عائشة مامّة ميمون جالسة وأختها الصغيرة ميمونت مامّة ميمون واقفة

متزوجة ولها بنت جميلة بعيون خضراء كأروبية
جلس الجميع على أرضية الشّرْفة التّرابية التي كانت مفروشة بزربيةٍ طويلة حمراء من الصوف الخالِص  ووِسادات لِلإستلقاء والنوم. واسْتلْقَتْ أختي مرْيَم المعْطوبة في أحد أركان البيت بِعمودها الخشبي الذي تضْبِطُ به إيقاع نبضات قلبها السريع. في حين جلستْ أمي قُرْبَ شقيقها تصُبُّ الشاي السّاخن وتتحدّث معه. وأبي العزيز بِجانبها بِسُبحته مُطَأْطِئ الرّأس يسْترِق السّمْع لِحديثِ الضّيْف وشقيقته ويُسبِّح لِربِّ العالمين..! وجلستْ أختي يامْنة بِجِوارِ أخي مُحمّادي وأنا وعبد الله بِجانبهِما نُقشّر القاوْقاوْ (الفول السوداني)  ونشرب الشاي بالنّعْناع    …

إنْسابتْ أصوات آذان العشاء إلى آذان الحاضرين. إنه صوت نفس المُؤذّن في جامعنا الوحيد في حارتنا (دْشارْ اَنَّغْ). هذا الجامع الذي وقعتْ لي فيه حادِثتين أليمتين :
الأولى حين طلب مني الفقيه عرْض سورة فقلِبْتُ بعض العبارات ” يدخُلونَ خَدْوَلو” التي أحفظها عن ظهر قلب بِسبب تِكْرار أخي محمّادي لها مِراراً وهو يضحك مازِحاً. فكان أنْ أمَرَ الفقيه أحد “الطّالِبان” بِتحْميلي لِيُشْبِعني الفقيه المسْعور ضرْباً مُبْرِحاً في رِجلاي حتى سال منها الدم.
المرّة الثانية كان يوم تغيّب الفقيه وترك إثنان من الطّلبة الكبار ليحْرُسوننا. واعِداً الجميع بالحرية إذا أتوْا ب ” التّحْرير” . أي أن يترصّد الطلبة مُرور أحد الناس، ويسألونه بعض الفرنْكات نُعطيها للفقيه مقابل مغادرة المدرسة. أي عطلة التّحرير. فاتّفق الحارسان بِوضْع الصّبّار الشّوكي بِأشواك كبيرة وغليظة تحت الحصير الذي نجلس عليه. وبعد ذالك صرخ الحارسان معاً :
ـ هناك في الخارج رجل يبدو أنه ميْسور. أسْرِعوا واطلُبوا له التّحْرير لِنخرج من المدرسة.
فقام الجميع مِمّن فيهم أنا. لِأُسْرع بينهم وأمشي حافياً على الأشْواك لِأخِرَّ ساقِطاً وأنا أبْكي وأصْرخ من شِدّةِ الألم …
هذه من الذكريات الأليمة جدّاً والتي لا يمكن أن أنْساها أبداً. وكيف أنْساها وقد طبعَتْ كلّ وجْداني بل وحتى كيفية تفكيري اليوم ؟!
وقام أبي ليُصلي. في حين قامت أمّي وأختي يامنة لِإحْضار
العشاء…
17103424_188330258321994_4370000513137485128_n - Copie

هذا هو الجامع الذي كنت أحفظ فيه القرآن بالعصى وبدون فهم .

يتبــــــــــــــــــــع

By dimarif