بقلم: الدكتور عبد الوهاب تدموري / طنجة
من خلال معايشتي و تتبعي لمسار تطور الحراك الشعبي بالريف الذي استمر لشهور دون ان تكون هناك أدنى مؤشرات توحي بتوقفه او بخفوته، بل يزداد توسعا وتجذرا واضحي ينتج خطابه الخاص به و الذي حتي وإن بدا بسيطا ومباشرا او شعبويا في ظاهره الذي من بعض تجلياته طريقته الهزلية في نقده للأحزاب والدولة والمؤسسات وحسيا في تلمسه للواقع التي جسدتها مطالبه البسيطة والمشروعة إلا أنه كذلك عميقا في دلالاته إن استحضرنا مجموع الرموز التي يؤثث بها خطابه و التي تحيل علي ذاكرة جمعية واعية ومقاومة وهي التي شكلت ولا زالت الحاضر الغائب في وعيه ولا وعيه . وهو ما سهل كذلك من عملية تحول السلوك الاحتجاجي السلمي من سلوك لحظي إلى ثقافة شعبية متجذرة في كل أسرة وفي كل بيت ولدي كل الاعمار تستمد مقومات استمرارها وتطورها ليس فقط من واقع التهميش الذي تعيشه المنطقة أو من رصيدها الغني من الذاكرة الجماعية المقاومة بل كذالك من ما تخلفه المقاربة الأمنية الغير المجدية من أضرار معنوية ومادية في صفوف المحتجين ومن وقع مظاهر العسكرة التي تعرفها المنطقة علي الحالة النفسية الفردية والجماعية لعموم اهلنا بالريف التي تزيد من ارتفاع منسوب الحقد والكراهية بين الدولة والمجتمع المحلي بالشكل الذي أصبحت فيه المقاربة الأمنية برمتها سببا و رافدا مهما تتغذى منه ثقافة الاحتجاج وتمول الاحتجاجات يالعنصر البشري اللازم لاستمرارها قيادات وقواعد. والحراك بذلك يكون قد حول ما اعتقدته الدولة عنصرا للقمع و للاخضاع او عنصر قوة لديها إلى مادة يستوحي منها مقومات استمراره وتوسعة مما أفقد المقاربة الأمنية من إحدى مقوماتها الأساسية التي اعتمدتها والتي تمثلت في عملية الاعتقالات الجماعية التي باشرتها من اجل افراغ الحراك من نشطائه في أفق اسكاته .ودفع بالدولة ومن خلالها المشرفون علي المقاربة الأمنية بالمقابل إلى المزيد من القمع و للمزيد من الاعتقالات وإلى مزيد من العسكرة واستعراض القوة بدل الجنوح إلى طاولة الحوار وإطلاق سراح كافة المعتقلين من النشطاء وتلبية مطالب الحراك مادام لازال باب العودة الي العقل ممكنا قبل ان تدفع هذه المقاربة القمعية المنفعلة الدولة الي السقوط في المحظور بما يمكن ان تقدم عليه من مغامرة غير محسوبة العواقب ويتحول بعدها مطلب الحوار الي شيء اسمه التفاوض.
إن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في حق الريف وأهله تظهر بما لايدع مجالا للشك أن مراكز القرار في الدولة تحتلها أشباه اطر
Les derniers de la classe كونها كما أظن لا تتمتع ولو بقليل من المعرفة العلمية أو الذكاء اللازمة لتسيير و لرسم استراتيجيات الدولة في كل المجالات وبالأحرى في الجانب الأمني بحيث انها لم تستوعب ولم تدرس حتي ما يتميز به الريف من خصوصيات تاريخية وسوسيولوجية وثقافية تحدد من خلالها طبيعة الشخصية الريفية قبل اقدامها عن أي مغامرة امنية او استبعادها حتى واللجوء بدل ذلك إلى الحوار المباشر مع نشطاء الحراك من أجل الاستجابة لمطالبه البسيطة والمشروعة حتى تتفادى السقوط في المحظور وتستغني بدل ذالك عن كل هذاا الإنزال العسكري الكثيف و المتصاعد بالمنطقة الذي تحول الي عنصر صدام وتوتر دائم يرفع من منسوب الحقد والكراهية اتجاه الدولة وبالتالي يغذي ثقافة التطرف التي سيتحول ضمنيا من خلالها خلالها هذا الإنزال العسكري الكثيف ليس فقط إلى تواجد غير مرغوب فيه بل إلى عنصر احتلال للأرض والمجال وهو ما سيعجل كذلك يبروز هويات مغلقة ومتطرفة بما سيترتب عن ذلك من انزلاق للدولة في اتجاه المحظور كنتيجة لسلوكها ومنهجيتها الانفعالية والغير الواعية.
كما ان المقاربة الأمنية للحراك الشعبي بالريف وما تميزت به من جهل بحقائق الجغرافيا والتاريخ و من عنف شديد أدت إلى اعتقال المئات من النشطاء وشهيد لحدود.الساعة والكثير من الجرحى علي خلفية المواجهات الناتجة عن التدخلات القمعية في حق المتظاهرين السلميين اضافة الى ما يحكمها من سلوك انفعالي وردود أفعال تنم علي قصور خطير في الرؤيا لدي المشرفين عليها وعدم اهليتهم في تسيير امور الدولة خاصة عندما عملوا بشكل غير معلن علي استعادة شيء اسمه هيبة الدولة على حساب كرامة وعزة أهل الريف متناسين بذلك أن هبة وكرامة أي دولة في العالم هي من كرامة وهيبة شعوبها . وهم بهذا الهدف الغير المعلن يورطون الدولة أكثر فأكثر للسقوط في المحظور وإعادة تكرار تجربتهم في الصحراء بامتياز.
عاش الحراك الشعبي
عاش الريف وكل الوطن ولا عاش من خانه.
