بقلم الخضير غريبي ـ علي ازديموسى
في الحقيقة من الصعب التنبؤ بمستقبل مناجم وكسان في ظل شُحّ المعلومات حول نتائج الدراسات التي أشرفت عليها الشركة المالكة، أو التي قامت بها شركة معادن تويسيت (CMT). إلا أننا يمكن أن نستخلص مما سلف بعض النتائج التي يمكن أن تفيد المهتمين بتدبير الشأن العام على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي، كما يمكن لهذه النتائج أن يستأنس بها الفاعلون المهتمون بمصير مناجم وكسان لإعداد مشاريع تنموية يمكن أن تلقى اهتماما وتموينا من مانحين مغاربة أو أجانب.
جودة وكمية المخزون المعدني المتوفر بالمناجم :
لقد اختلفت المصادر التي اطلعنا عليها حول مخزون المناجم من الحديد، وإننا لن نخوض في هذا الموضوع لعدم توفرنا على معطيات دقيقة وسنخصص هذه الفقرة لكي نلح على ضرورة كشف نتائج الدراسات التي تمت في الماضي – إن كانت هناك دراسات – للباحثين من أجل مدارستها وتحليلها.
لقد عمل المستعمر الإسباني على استنفاد الثروة المعدنية السطحية (الهيماتيت Hematite) خلال استغلاله لمناجم الحديد بوكْسَانْ ولَعْسَارَة، فكان يستهدف حتى المعادن الباطنية المكونة أساسا من المانيتيت (Magnetite) . إلا أن جيولوجيا المنطقة البركانية وفرت كمية مهمة من كبريت الحديد “بيريت” (Pyrite FeS2) تنقص من جودة المعدن المستخرج من المناجم. وإذا ثبت تواجد البيروتيت (Pyrrhotite Fe(1-x)S) فإن جودة المعدن ستصبح أقل قيمة من أجل استخراجه وتصديره.
نستخلص مما سلف أن الحق المخول لشركة استغلال مناجم الريف (SEFERIF) لاستغلال مناجم وكْسَانْ ولَعْسَارَة قد انتهت صلاحيته سنة 2008 بعد التمديد الذي استفادت منه الشركة سنة 1996 (رخصة رقم 1883)، و لذا يجب رفع اليد على المناجم قصد السماح لمستثمرين آخرين لاستغلال ثروات مناجم الحديد.
تثمين المنشآت المنجمية المتوفرة :
إن مستقبل الناظور الاقتصادي سيكون على المدى المتوسط سياحيا وتجاريا، فإذا كانت وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا تعمل على تطوير السياحة المكثفة بالإقليم (Tourisme de masse)، فمن الضروري مرافقة المشروع بسياحة تاريخية اركيولوجية وسياحة بيئية. هنا يمكن تثمين المنشآت المتوفرة بالمناجم (أفران، آبار، حمامات …).
كما أن هذه المناجم يمكن أن تدخل في إطار الذاكرة المشتركة لشعبين (المغربي والإسباني)، والمساهمة للتصدي للذين يودون العبث لحسن الجوار الذي راعاه الجانبان من أجل حل المشاكل العالقة بدبلوماسية رزينة مراعاة للمصالح المشتركة للشعبين. ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل (التقريب بين شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط خدمة للسلم العالمي) يجب العمل لإحداث متحف تاريخي بمعامل وكسان يخلد التبادل الحضاري بين الشعبين المغربي والإسباني.
بلورة مشروع مخصص للتكوين والبحث العلمي :
إن سلسة جبال الريف المعقدة في تكوينها الجيولوجي تستقطب باحثين على المستوى العالمي من أجل فهم تاريخ تكوين القارات وحركتها التكتونية. فهي تمثل نموذجا فريدا وميدانيا لتكوين أطر متخصصة في الجيويوجيا والجيوفيزياء والتيكتونيك. من أجل ذلك فإن إنشاء معهد عالي متخصص لتخريج مهندسين وتقنيين في مجال الجيولوجيا التطبيقية (البحرية والبرية) سيساهم في الاستجابة للخصاص الذي يعانيه المغرب في التخصص، بعدما لُوحِظ أن الطلبة هجروا التخصصات الجيولوجية في الكليات المفتوحة (كليات العلوم) لتغلب الجانب النظري عليها ولعدم تطابقها مع سوق الشغل.
إن مرافئ مناجم وكسان (المعامل والورشات و….) يمكن تأهيلها من أجل استقطاب الطلبة، كما يمكن التعاون مع النواة الجامعية المتعددة التخصصات المتوفرة بإقليم الناظور، ومع مدرسة المهندسين الموجودة بالحسيمة والمتخصصة في مجال البيئة والهندسة المعمارية، ومع باقي المؤسسات الجامعية بوجدة. ولا ننسى أن في عهد الحماية كانت هناك مدرسة لتكوين تقنيين للاستجابة لحاجيات الشركة الإسبانية المستغلة لمناجم الريف ولاستقبال الطلبة الإسبان من أجل التدريب.
مناجم وكسان والمجتمع المدني :
إن تعبئة المجتمع المدني من أجل تحقيق مشروع تنموي هو الهدف الأساس الذي يبتغيه كل مشروع. فإذا سبقت التعبئة قبل المشروع فذلك يعد حافزا لإقناع المانحين من أجل بلورة المشروع وإنجازه. وما مبادرة الفاعلين الجمعويين لإحداث “مركز وكسان للبحث والتنمية وإعادة تهيئة مناجم الحديد” إلا نموذج لما تزخر بها المنطقة من ديناميكية مطالبة بإعادة الاعتبار لمناجم وكسان.
