محمد التوري
رئيسٌ.. ومناضلٌ.. وباني حلم
في ذاكرة بني سيدال الجبل أسماءٌ عبرت، وقليلٌ منها استوطن. ومحمد التوري من الذين استوطنوا الضمير قبل الجغرافيا؛ كان رئيس جماعة بما تحمله الكلمة من ثقل، ورئيس جمعية تنموية بما تحمله من همّ، ومناضلاً بما تحمله من وفاء ؛ جمع بين سلطة القرار، وروح المبادرة، وصبر المعارك الخفية، فصار صوت الجبل مسموعاً حيث يجب أن يُسمع.
كان من الأوائل الذين اقتحموا صمت الجبل.
مدّ “أذما نتراث” الرابط بين المركز ودواوير الجبل، فلم يكن إسفلتاً وحجارة؛ كان شرياناً للمريض إلى الدواء، وللتلميذ إلى المدرسة، وللفلاح إلى السوق؛ حين وصلت الطريق، وصلت معها الكرامة. وحين فُك الحصار عن الحجر، فُك الحصار عن الإنسان.
كان إدارياً محضاً. لا يجامل في الحق، ولا يساوم في المال العام؛ يُروى عنه أنه منع ذات مرة سيارة الجماعة من أن تُستعمل لغير غرضها، حتى وإن كان الراكب خليفة القائد.
فعلها وفاءً للقانون. عنده المنصب تكليفٌ ثقيل، لا تشريفٌ خفيف؛ وفي زمن كثرت فيه المجاملات، اختار أن يكون ميزاناً لا كفة.
وكانت له تدخلات لدى جميع المصالح الخارجية بالإقليم من أجل جلب المنفعة إلى بني سيدال؛ ولم يقف عند حدود الإقليم.
هو من تواصل في البداية مع مصالح وزارة الخارجية المغربية ووزارة الداخلية، حاملاً ملفاً اسمه: الكرامة القروية؛ سعى، وطرق، وأقنع، حتى وُلد المشروع القروي المندمج ببني سيدال الجبل، ذلك الحلم الذي صار اليوم ملكاً لتعاونية السعادة؛ فكانت يده الأولى التي زرعت، واليوم تجني القبيلة من ثمرها.
إلى جانب المسؤولية الجماعية، كان رئيس جمعية تنموية؛ هنا ظهر وجهه الآخر: المبادر الذي لا ينتظر، والمنظم الذي يحرك الشباب، والمقنع الذي يجمع القليل ليصنع الكثير.
من الجمعية انطلقت أفكار صغيرة كبرت، ومشاريع متواضعة صارت نموذجاً.
لأنه آمن أن التنمية لا تهبط من فوق فقط، بل تنبت من الأرض وتسقى بعرق أهلها.
ناشط سياسي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لكنه لم يجعل من الحزب منصة، بل جعله جسراً. ويخوض معارك في السر لفائدة القبيلة، لا يبحث عن ضجيج ولا عن تصفيق.
معارك أوراق واتصالات ومواعيد، تُكسب ولا تُعلن؛ رجل دولة في سلوكه، وابن قبيلة في قلبه.
ٱمتاز ببُعد نظر وفكر رحب. يتكلم بلغة المشاريع لا الشعارات، ويرى في تراب الجبل مستقبلاً. وللأسف الشديد، لم يجد دائماً من يفهمه. الفكرة الكبيرة تحتاج أفقاً أوسع، وكان أحياناً يخاطب أفقاً أضيق من حلمه. لكن الكبار لا ينتظرون الإذن كي يزرعوا.
غادر المنصب، ولم تغادره بني سيدال الجبل.
ما زالت الطريق تذكره، وما زالت التعاونية شاهدة على بصمته، وما زالت المصالح تعرف أن وراء كل مطلب جاد رجلاً اسمه محمد التوري. لأن من أحب أرضه بصدق، ردت له الأرض الحب بذاكرة لا تشيخ.
محمد التوري درسٌ بليغ في معنى القيادة.
أن تكون رئيس جماعة فتخدم، ورئيس جمعية فتبادر، ومناضلاً فتصمت وتفعل، ومواطناً فتخلص.
ترك طريقاً يمشي عليه الناس، ومشروعاً يمشي بالناس، واسماً يمشي في الناس.
فرحم الله من جعل المسؤولية عبادة، وبارك فيمن جعل التنمية رسالة، والانتماء أمانة.
