
“طحن دين مو” في لغتنا الدارجة تشير الى الاحتقار و هي تعني أن المطحون ينظر اليه على أنه مجرد حشرة و لا يساوي أي شيء. كثيرون هم التبريريون ممن حاول التخفيف من حدة الفعل الشنيع، فهناك مثلا من قال خبثا ان المهم هو أمن الوطن و الله سيجارته في الآخرة كما لو كانت كل افعالنا غايتها الجزاء في الآخرة هكذا و بكل بساطة، و هناك ايضا من قال بكل حقارة انه في أمريكا يتم فيها إطلاق الرصاص على المواطنين ذوي البشرة السوداء فهم انت…
اغلب الكتابات و ردود الفعل حول اغتيال المواطن المغربي محسن فكري لم تتطرق الى منفذ جريمة القتل، هذا الامر اي عدم رفض المكلفين بشاحنة النفايات لاوامر رجال الشرطة هو الذي كان مقلقا في نظري و يرتبط بالسؤال الذي لا يستطيع احد منا ان يجيب عنه : لماذا يحتقر المغربي الضعيف اخاه المغربي الضعيف؟ قبل الخوض في هذا الإشكال لابد من كلمة عن بنكيران.
بنكيران رجل الاطفاء في خدمة المخزن
لم أكن انتظر من بنكيران اكثر مما قاله او قام به و مواقفه من المواطن المغربي المغلوب على أمره معروفة. سبق لي ان كتبت قبيل انتخابات سابع أكتوبر تعليقا على بكائيات بنكيران خلال تجمعاته الخطابية وشبهت زعيم حزب اللامبا بذلك الطائر المفترس المعروف في الميتولوجيا الإغريقية ذو الجسد المخيف حيث رأسه يشبه رأس إنسان أما باقي الجسد فشكله شكل طائر. كان بمثابة خادم لدى الاله زيوس (المخزن عندنا) وتخصصه هو المهمات القذرة، مثلا العبث بأكل الضعفاء و تلطيخه بالقاذورات لكي لا يتمكن الضعيف من أكله، و هو ايضا معروف بأكله للبشر و كانت طريقته الفعالة لاستدراج ضحاياه هي البكاء مثل طفل صغير. لقد قلت و أعيدها ان بنكيران سيأكلنا جميعا بعد انتخابه…
لكن كيف يمكن فهم ردة فعل بنكيران و البجادة من الجريمة و حديثهم البئيس و الجبان عن الفتنة؟ الغريب انهم الوحيدون و من يدور في فلكهم من المحافظين من يتحدث عن الفتنة و يروج لها و هناك طبعا عدد كبير من المخدرين ممن لا يستطيع التفكير بعقله ويترك الآخر يفكر نيابة عنه لذلك ترى ان ما يقوله الواحد منهم يعيده الآخرون مثل الباباغوات، انهم لا يخافون على الوطن بل يخافون على مصالحهم و على ما يسمونه انتصارا في انتخابات أكتوبر و استمرارهم في “الإصلاح” او الصحيح الاستفادة من داخل المؤسسات، ما لا يرغبونه هو ان إمكانية اتساع رقعة المظاهرات وإعطاءها زخما سياسيا ربما تنتج عن هذه الدينامية ظهور حركة احتجاجية جديدة تكون مهمتها التنديد باستمرار الظلم و الحكم الاستبدادي في المغرب وإظهار فشل تجربة “الإصلاحات” الدستورية و المطالبة بدستور جديد يمهد لنظام ديمقراطي حقيقي وليس ديمقراطية الواجهة.
كل هذه العوامل تؤرق بال حراس معبد المخزن من أمثال بنكيران وحزبه ورعاياهم و باقي احزاب سيدنا التي لا يهمها لا ديمقراطية لا كرامة لا حقوق الانسان، ما يهمها فقط هو خدمة المخزن طمعا في عطفه و حنانه.
عن تفاهة الشّر
أنا هنا لن اكتب طويلا عن الشرطة التي أمرت بطحن المواطن المغربي المغلوب على أمره، كلنا يعلم ان الأجهزة الأمنية للدولة للمغربية من ألفها الى ياءها تحتقرنا جميعا و ربما لولا الخوف من نظرة الخارج لقامت برمينا جميعا في عرض البحر لكي يبقى الوطن “آمنا”.
ما يهمني هو المنفذ المباشر لجريمة القتل في حق المواطن المغربي، ما كتبته هانا آرند عن أيشمان و تفاهة الشر يمكن ايضا و الى حد ما قوله عن الشخص او الأشخاص من عمال شركة نقل النفايات الذين كانوا المنفذين المباشرين لجريمة “طحن” المواطن محسن فكري. هم مجرد أناس عاديين يبحثون ايضا عن لقمة العيش، لكن السؤال الذي لا زال يحيرني منذ وقوع الحادث الاجرامي: لماذا قام هؤلاء بالاستجابة لاوامر رجال الشرطة و هم يعلمون ان مصير فكري هو الموت؟ هل تنفيذ الأوامر على بلاذتها أهم لنا من حياة المواطن البسيط؟
صراحة، لا أستطيع ان اجيب عن هذه الأسئلة سأختم فقط بما كتبته “حنا آرند”: “المقلق في شخص أيشمان كان، انه كان مثل الكثيرين وأن هؤلاء الكثيرين لم يكونوا منحرفي السلوك او ساديين، لكن كانوا بشكل رهيب و مخيف عاديين. من منطلق مؤسساتنا القانونية و بميزان حكمنا الاخلاقي، كانت هذه البداهة اكثر تخويفا من جميع الفواحش كلها…”.
