“إغراق الريف بالأفارقة “سياسة مخزنية” جديدة لإقبار المنطقة وتهجير أبنائها وتشتيتهم”.. كانت هذه العبارة الصادرة من أحد أبرز الوجوه التي تقود الحراك الشعبي، الغاضب من مقتل “سمّاك الحسيمة” محسن فكري أواخر أكتوبر الماضي، كافية لإشعال فتيل غضب من التصريحات التي وصفت بأنها تمييزية وتدعو إلى الإقصاء والعنصرية؛ وهو ما جعل عددا من النشطاء الحقوقيين يحذرون من توجيه مطالب سكان منطقة الريف في رفع التهميش إلى قضايا أخرى.

وكتب ناصر الزفزافي، الذي يوصف بأنه أبرز الوجوه التي قادت “الحراك الريفي” منذ مقتل “سماك الحسيمة”، على صفحته بموقع فيسبوك “إغراق الريف بالأفارقة “سياسة مخزنية” جديدة لإقبار المنطقة وتهجير أبنائها وتشتيتهم”، متابعا بالقول: “اللا إنصاف واللا مصالحة المخزنية الجديدة.. لا رحم الله فيكم مغرز إبرة يا أعداء الريف”، على حد تعبيره الذي أرفقه بصورتين لمجموعة من المهاجرين الوافدين من إفريقيا جنوب الصحراء وهم واقفون بأمتعتهم وسط أحد المواقع بالحسيمة.

وتأتي هذه المواقف المثيرة أياما فقط بعد قرار المملكة الشروع في المرحلة الثانية من تسوية وضعية المهاجرين الذين يوجدون بشكل غير قانوني فوق التراب المغربي، خاصة الوافدين من إفريقيا جنوب الصحراء، بعد انقضاء المرحلة الأولى التي شملت حوالي 25 ألف شخص؛ فيما قالت اللجنة الوطنية المكلفة بتسوية وضعية وإدماج المهاجرين بالمغرب إن هذا التحرك يأتي بناء على أوامر من العاهل محمد السادس، موردة أن البلاد قامت بتسوية وضعية المهاجرين “وفق معايير معقولة ومنصفة وتوفير الظروف الملائمة.. دون تكبر أو استعلاء، ودون تحقير أو تمييز”.

موقف الناشط الريفي أثار غضب وسط سكان الحسيمة ونواحيها، حيث خرج عدد من أبناء المنطقة بصور لهم وهم رفقة المهاجرين الأفارقة في الحسيمة، مرفقة بعبارات الترحيب بهم في المغرب؛ فيما وجّه عدد منهم انتقادات لاذعة إلى الناشط الزفزافي على مواقع التواصل الاجتماعي، كما قال كريم سباعي: “هذا منزلق نحو الإقصاء والتمييز المؤدي إلى تنامي العنصرية اتجاه مواطني جنوب الصحراء المقيمين بالمغرب”، مضيفا: “النضال يتوخى العدالة لا الميز على أساس العرق.. لو اكتويت بنار الغربة على غرار 5 ملايين مهاجر مغربي ما كنت ستسقط في هذا الفخ العنصري”.

وكتب عبد الكريم الدامن قائلا وهو يعلق على الموقف ذاته: “شيء خطير أن يصدر هذا التصريح العنصري عن أحد قادة الحراك، كيف للمهاجرين الريفيين وغيرهم بدول المهجر أن يدعموا الحراك ويطالبوا الحركات الاجتماعية والقوى السياسية بالمهجر بأن تتضامن مع دعاة العنصرية والتمييز ضد الإنسان؟”، ليردف في تنبيه إليه: “حذار من مثل هذه الانزياحات التي لن تعود عن الحراك إلا بالتشتت وانفضاض الناس من حوله”، فيما علق آخر قائلا: “ربي خلقنا باش نتعايشو ونقبلو بعضنا، ماشي نحتاقروهم ونكرهوهم.. شوف الأوربيين كيف عاطيين حقوق العرب والمغاربة”، وفق تعبيره.

في المقابل، ذهب معلقون آخرون إلى الدفاع عن الموقف الذي وصف بأنه تمييزي، بعبارات لم تخل من التمييز والعنصرية وفي بعض الأحيان من السب والشتم، كما كتب أحمد ميمون بن داود: “هذا الذي كان ينقصنا الأفارقة وتخنيز شوارع بيهم وتشتيت أبناء الريف العظيم.. اللهم جعل كيدهم في نحرهم”؛ فيما قال علي المرابط: “هؤلاء سيستعملون كمرتزقة وكمخبرين على أهل الريف.. أنها لعبة القذافي تتكرر في الريف.. أغرقونا بالحمقى سابقا والآن بالأفارقة.. لا مكان لأحد في الريف إلا أهله، المنطقة صغيرة ولا يمكنها استيعاب هؤلاء.. لماذا لم يوجهوهم إلى الصحراء مثلا؟ من أجل الصحراء تم استقبالهم”، وفق تعبيره.

الزهاري: أرفض مقارنة توجه الدولة بين المغاربة والمهاجرين

في محاولة لتوضيح التوجه الرسمي المغربي تجاه المهاجرين الأجانب، قال محمد الزهاري، الأمين العام لفرع المغرب للتحالف الدولي للدفاع عن الحقوق والحريات، إن مسؤولية الدولة في الأساس تبقى تنمية البلاد والاهتمام بكل المواطنين ومحاربة الهشاشة والفقر والزيادة في نسبة النمو، مضيفا أن المسؤولية الثانية تبقى أيضا ضمان سياسات عمومية مرتبطة بمجال حقوق الإنسان، “بما فيها تلك المرتبطة بالأجانب الموجودين في المغرب؛ إما بطريقة قانونية أو غير قانونية ممن وصلوا إلى المغرب عبر الهجرة السرية”.

ويرى الزهاري، في تصريح لهسبريس، أن المقاربة الحقوقية تجاه المهاجرين ممن يتحركون داخل التراب الوطني تملي على المغرب إدماجهم داخل المجتمع، “تنفيذا لالتزامات البلاد على المستوى الدولي من مقتضيات تهم اللاجئين وما تفرضه التزامات تجاه الشركاء في مقدمتها التي تجمعنا مع الاتحاد الأوربي في سياق سياسة الانفتاح”، فيما أكد أن تلك الالتزامات وغيرها تفرض على الدولة “نهج مقاربة حقوقية واضحة لتسوية وضعية المهاجرين جنوب الصحراء واللاجئين السوريين والفلبينيين وغيرهم انطلاقا من المرجعية الدولية والاتفاقيات الدولية”.

“لا أتفق مع من يريد أن يقيس ويقارن سياسة الدولة تجاه المغاربة والمهاجرين في إطار الأولويات؛ لأن السياسات العمومية تعطي دوما للمواطن الأولوية في سياق الإطار الرسمي العادي”، يقول الناشط الحقوقي، الذي شدد على أن المكونات التي تقطن المغرب والقادمة من دول متعددة وتتنقل فوق ترابه “يجب مساعدتها وتسوية وضعيتها، خاصة أن المغرب لم يعد بلدا العبور إلى الضفة الأوربية، إذ انتقل من هذا الوضع للحد من هذا الاندفاع البشري إلى بلد إقامة للمهاجرين في إطار شراكة مع الاتحاد الأوربي الذي يتلقى إثرها دعما وتمويلا”.

By dimarif