مينة عاطف: بين الحيرة والبحث عن البيت السياسي

في السياسة كما في الحياة، لا تكون الخسارة دائما في الفشل، وأحيانا تكون في التردد. ومينة عاطف اليوم تقف عند مفترق نادر، امرأة مشت طويلا في دروب العمل العام، فوجدت نفسها فجأة بلا ظل حزبي تأوي إليه، وبلا عنوان واضح تقول به أنا هنا.

بدأت الحكاية بخروجها من حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي عرفته واحتضنها في أول الطريق. ثم كان التحاقها بحزب التقدم والاشتراكية بحثا عن أفق آخر، عن لغة أقرب إلى قناعاتها، وعن فضاء تظن أنها ستجد فيه صدى أطول لصوتها. لكن المسافة بين الظن والحقيقة طويلة، فتراجعت. استقالت، وعادت تلتفت إلى الوراء، إلى بيت الحمامة الذي غادرته، تطلب العودة وتطلب الغفران السياسي الذي تمنحه الأحزاب أحيانا وتحرمه أحيانا.

لكن الأبواب هذه المرة لم تفتح. رفضها التجمعيون، لا عن قسوة بالضرورة، بل لأن السياسة لا تعرف العودة السهلة، ولأن الذاكرة الحزبية لا تمحو بسرعة، ولأن الولاء في عرفهم عقد لا يفسخ ثم يعاد توقيعه بسهولة.

وهكذا بقيت مينة عاطف حائرة من أمرها. لا هي في التقدم ولا هي في التجمع. معلقة بين قرارين، بين لحظة غضب ولحظة حنين، بين رغبة في البدء من جديد وخوف من أن يقال إنها لا تثبت على حال.

والحيرة هنا ليست ضعفا. الحيرة هي الثمن الذي يدفعه من يفكر بصوت عال، ومن يأخذ مواقفه على محمل الجد. فالذين لا يحيدون أبدا هم في الغالب من لم يغادروا أماكنهم يوما، والذين لا يخطئون هم من لم يجرؤوا على التجربة. أما من غادر وعاد وتراجع وطلب، فهو إنسان يبحث عن بيته السياسي كما يبحث الإنسان عن بيته الحقيقي. بيت لا يمنحه مقعدا فقط، بل يمنحه معنى.

مينة عاطف ليست مجرد اسم تنقل بين لافتتين. هي تجربة امرأة آمنت بالعمل السياسي وصدقت أنه وسيلة لا غاية. ولذلك وجعتها الرفضة، ولذلك آلمنها التعليق. لأن السياسة حين تتحول إلى بيوت مغلقة، تخسر أكثر مما تكسب. تخسر وجوه صدقت، وتخسر أصواتا كانت يمكن أن تضيف.

قد يكون ما حدث درسا قاسيا، لكنه درس ضروري. أن الأحزاب ليست فنادق ندخلها ونخرج منها وقت نشاء، وأن المصداقية تبنى بالاستمرار لا بالانتقال. وأن على من يريد أن يبقى أن يختار مرة واحدة ويتحمل تبعات الاختيار، حتى لو كان الاختيار مؤلما.

ومع ذلك، تبقى مينة عاطف رقما لا يمكن تجاوزه بسهولة. امرأة من الميدان، لها حضورها، ولها جمهورها، ولها ما تقوله. والحيرة الحالية لن تدوم، لأن من مشى كل هذا الطريق لا يمكن أن يتوقف عند عتبة. إما أن يفتح لها باب جديد، أو أن تصنع هي الباب بنفسها.

وفي النهاية، السياسة لا ترحم المترددين، لكنها أيضا لا تنسى المخلصين. ولعل الأيام القادمة تحمل لمينة عاطف جوابا على سؤالها الكبير: أين البيت الذي يليق بي؟

By dimarif