محمد ابركان: معمار الدعائم وغواص العمق الإنتخابي

في زمن تتساوى فيه الأصوات ويضيع فيه الفرق بين الضجيج والفعل، لا يبقى في الواجهة إلا من يملك ذاكرة الميدان ويحول التجربة إلى منهج والخبرة إلى هندسة. محمد أبركان من هذا الطراز الذي لا يصنع الحدث بالصدفة بل يبنيه بالتراكم، ولا ينتظر الفوز كأمنية عابرة بل يشيده كما يشيد المعمار أساس بيت يريد له أن يصمد أمام الريح والزمن.

السياسة عنده ليست موسم خطابة يبدأ مع الحملة وينتهي مع النتيجة، بل هي عمل يومي صامت يبدأ حيث توقف الآخرون. يعود إلى الوجوه نفسها ويسأل عن الملفات نفسها ويتابع العائلات التي التقى بها من قبل، لا ليستهلك العلاقة في لحظة انتخاب بل ليغذيها بين موسم وآخر. ومن هنا جاءت دعائم الفوز التي يبنيها، فهي ليست أرقاما على ورق ولا وعودا معلقة، بل ثقة مركبة من مواقف صغيرة تكررت حتى صارت عادة. زيارة في وقت الشدة، ومتابعة لملف عالق، وكلمة حق في مجلس ضيق، كلها حجارة يضعها واحدة فوق أخرى حتى ينهض البناء بلا تصدع.

وما يميز مساره أنه ألغى الثنائية الكاذبة بين المدينة والبادية فتغلغل إلى الحواضر الكبرى بعقل يفهم تعقيد الاقتصاد وحراك الشباب وضغط الخدمات، يخاطب النخب بلغة المشروع ويخاطب الفاعلين الجمعويين بلغة الشراكة ويخاطب المواطن بلغة الحل المباشر. وفي القرى تغلغل بقلب من يعرف أن السياسة هناك وجه قبل أن تكون برنامجا، يجلس ويصغي ولا يعد بما لا يملك بل يشرح ويقترح ويعود. في القرية لا يكفي أن تعد بل يجب أن تثبت أنك تتذكر، وهذا ما فعله حين حول الحضور المتكرر إلى التزام أخلاقي فصار الغريب قريبا والمتردد شريكا.

خبرته الانتخابية ليست ذاكرة جامدة بل مدرسة متحركة يتعلم منها ويطور أدواته بها. يعرف خرائط الانتظار قبل خرائط التصويت، ويدرك أن الناخب لا يصوت لشعار بل لمن خفف عنه عبئا أو فتح له بابا أو أنصفه في خصومة. يعرف متى يتقدم الصفوف ومتى يؤخرها، ومتى يجمع ومتى يفرق بلطف، ومتى يحول الخلاف إلى تفاهم. لا يراهن على الموجة بل يصنع التيار بهدوء، ولا يبيع الوهم بل يبيع الممكن ويفي به.

عمق ارتباطه بالأرض يقاس بنوع الأثر لا بعدد اللقاءات. حاضر في تفاصيل الناس لا في عناوينهم فقط، يسأل عن المدرسة التي تأخر بناؤها وعن الطريق الذي أنهكته الأمطار وعن الشاب الذي يبحث عن فرصة. وهذا العمق هو الذي حول العمل السياسي عنده من فعل موقع إلى فعل خدمة، ومن هنا نبتت أخلاق المسؤولية. لا يعد ليبهر بل يعد ليفي، ولا يرفع سقف التوقعات ليربح يوما ويخسر عمرا، لذلك ارتبط اسمه بالاستمرار لا بالومضة.

الفوز عنده ليس غاية في ذاته بل وسيلة لخدمة أبعد. دعائم الفوز التي يبنيها اليوم هي في جوهرها دعائم مشروع إقليمي يقوم على ربط الحاضرة بالقرية في شبكة مصالح مشتركة، وعلى تحويل المطلب الشعبي إلى برنامج قابل للتنفيذ، وعلى جعل المواطن شريكا لا متفرجا. ولهذا يتغلغل، لأن التغل هو الترجمة الميدانية لفكرة العدالة المجالية، فلا أحد بعيد ولا أحد منسي.

يقولون إن الانتخابات أيام، والحقيقة أنها عمر. ومحمد ابركان يعيش هذا العمر بامتياز، يبني بصبر ويشتغل بذكاء ويستند إلى خبرة لا تشترى.

لا يبحث عن صدى اللحظة بل عن أثر السنوات، ومن كان هذا دأبه فإن دعائم الفوز عنده ليست خشباً مؤقتاً بل أساسا راسخا. وفي نهاية المطاف لا تنسى الناس من حضر حين غاب الآخرون، ومن وفى حين وعد الآخرون، ومن بنى حين اكتفى الآخرون بالكلام.

By dimarif