“Podemos” كلمة اسبانية وتعني “نستطيع” باللغة العربية، و”نزمَّا”، من “ثِزمَّا”، بالريفية. و”بوديموس” هو الاسم الذي أخذته تنسيقية إسبانية تعمل ببرنامج اليسار الاجتماعي، وتعلن نفسها ضد كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي الذي ينخر الجارة الشمالية، بالرغم من أن اسبانيا نموذج ناجح الى حد ما في ممارسة الديمقراطية، كتمرين سياسي تحميه المؤسسات والوثيقة الدستورية، وليس كثقافة سياسية متجدرة في المجتمع والنخب السياسية. فهل المجتمع المغربي عامة والريفي خاصة قادر على تجاوز حالة الاحتقان، بالانتقال إلى مشروع ديمقراطي يقوده شباب وأفكار شابة، مهما بدت لنا مغايرة ومغامِرة، كما حدث مع “بوديموس”؟
تأسس”بوديموس”، في يناير 2014، اعتمادا على القاعدة الشعبية لحركة “الغاضبين” (Indignados)، المعادل الموضوعي للحراك الشعبي بالريف الذي جاء ردا على مقتل محسن فكري، “بوديموس” انطلقت احتجاجاتها يوم 15 ماي 2011، من “باب الشمس” (Puerta del Sol) بمدريد، الساحة التي سيطلق عليها المحتجون الإسبان، بعد سقوط نظام حسني مبارك في 11 فبراير 2011، اسم ميدان التحرير، كتعبير عن كون حراك الشباب الإسباني يعتبر امتدادا لحراك الربيع الديموقراطي، وأن أزمة النخب والسياسات الشائخة أصبحت أزمة معولمة ومشتركة بين الشمال والجنوب.
لكن، هل الدوافع التي أخرجت الريفيين للاحتجاج، هي نفسها التي أخرجت الإسبان للتعبير عن غضبهم بساحة باب الشمس؟ طبعا نعم، فاهل الريف خرجوا من اجل وقف الاستخفاف بحياة المواطنين وطلب القصاص لكل من تسبب في مقتل محسن فكري مهما علا منصبه فمطالب الحراك يمكن استحضارها في شقين; اما الاول فهو التوزيع العادل للثروة حتى يتسنى للشباب الحصول على فرصة شغل تحفظ كرامتهم وتغنيهم عن الارتماء في حاويات القمامة للدفاع عن لقمة العيش، والشق الثاني من المطالب هو التقسيم العادل للسلطة بحدود واضحة فكيف يعقل ان يملك شرطي عادي صلاحية ( على الاقل عرفية) طحن المواطنين، فالذين يخرجون اسبوعيا في الحراك انما يفعلون ذلك من اجل توزيع عادل للثروة والسلطة ، وكذلك في اسبانيا خرج الشباب الغاضبون للاحتجاج على غياب العدالة الاجتماعية بعدما بدأت تتوسع الهوة بين الاغنياء والفقرء بفعل تفاقم الازمة الاقتصادية وهي وضعية يتشارك فيها الاسبان مع المغاربة عامة واهل الريف خاصة، فخلال العقد الاخير ازداد الاغنياء غني وازداد الفقراء فقرا( ازدياد عدد الميليارديرات و في نفس الوقت ارتفاع معدلات الفقر). اما عن الاختلافات بين الحركة الاحتجاجية بالريف ونظيرتها بوديموس، فهذه الاخيرة تنشط في بيئة ديموقراطية عريقة، فاسبانيا تجاوزت حقبة فرانكو واسست لملكية برلمانية يسود فيها الملك ولايحكم، الى جانب تمتعها بقضاء قوي ومستقل وتميزها بفصل تام للسلطات عن بعضها البعض. وهي عوامل ساهمت كلها في انتقال سلس من حركة “الغاضبين” (Indignados) العفوية، إلى حزب سياسي مهيكل (Podemos)، استطاع، بسهولة، تجاوز الحزبين اللذين تناوبا على حكم إسبانيا منذ الانتقال الديمقراطي في 1975.
تجربة اخرى لابد من الاشارة اليها على سبيل الاستئناس هي حركة 20 فبراير فعلى الرغم من الزخم الشعبي الذي كانت تتميز به الا انها لم تستطع ان تضمن لها استمرارية عبر المشاركة في الحكم بواسطة تعبيرات سياسية جديدة وشابة، لاعتبارين اثنين: أولهما لأن شباب 20 فبراير اكتفى برفع شعارات غاضبة بدون أن يستطيع بلورتها على شكل اقتراحات سياسية وثقافية بديلة؛ وثانيهما أنه وجد أمامه أحزابا شائخة، إسلامية وادارية تتسابق حول من يكسب ود المخزن ولو تطلب الامر بيع الوطن والمواطنين، هذه الاحزاب استولت على حراك الشارع لانها اكثر تنظيما وهيكلية من حركة 20 فبراير التي كانت تتميز بالعفوية و غياب رؤية مستقبلية واضحة الاهداف والمعالم
تجربة الحراك في الريف تتقاطع بشكل كبير مع حركة بوديموس وخاصة في البدايات، فهي تجربة جديرة ان يعاد صياغة جوهرها على ارض الريف مع الحذر من السقوط في استيراد القوالب الجاهزة دون تبيئتها. مع الاخذ بعين الاعتبار التقابلات حركة ”بوديموس/ الحراك الشعبي بالريف” و ”اسبانيا / المغرب” التي تفرض نفسها، عوامل نجاح الحراك الشعبي في الريف مرتبطة بمدى قدرته على استقراء الواقع السياسي المغربي (المخزن) الذي يتوجس من اي وافد سياسي جديد ما لم يقدم ضمانات الولاء والطاعة وسلاحه في ذلك وزارة الداخلية التي تلعب دور الدركي الذي يحمي المعترك السياسي و قضاء غير مستقل يزكي قرارات الداخلية وهو ما يختلف تماما عن قواعد اللعبة الاسبانية، فالتحدي امام حراك الريف هو البحث عن موطئ قدم في ظل كل هذه المتغيرات عبر استلهام تجربة بوديموس والاستفادة من اخطاء حركة 20 فبراير.
