بقلم: مصطفى العلوي (الأسبوع الصحفي)

نصارى أيام زمان، عندما كانوا يحضرون الحفلات الشعبية المغربية، يعطون للزغاريد النسوية طابع تخليد المناسبة، ويكتبون عن تلك الزغاريد، أنها “اليويو”، وهو التعبير الذي اختاره بعض الصحفيين الأجانب، الذين حضروا جلسات الاتحاد الإفريقي، وعندما سمعوا أعضاء الوفد المغربي برئاسة الوزير مزوار، يرددون النشيد الوطني، على الطريقة الفرنسية، أدرجوا ذلك النشيد في عداد ما يعرف عندهم باليويو(…)، مثلما نقل الصحفيون الأجانب، وكانوا حاضرين بالعشرات، تفاصيل وجزئيات عن الصعوبات التي اعترضت قبول المغرب، مدرحة بالكثير من التعبيرات البعيدة عن النوايا والأغراض المغربية.

لكن السُّبَّة الحقيقية، كانت في تغييب الصحافة المغربية، عن هذا الحدث الوطني(…)

الهام، رغم أن كل اليوميات الصادرة غداة قبول المغرب، اضطرت إلى تخليد الحدث، بنشر نفس الصورة، ونفس الخبر، ليهيمن الصمت من جديد وتسكت هذه الصحف عن كل تعليق، دون أي اطلاع على الأحداث والظروف التي واكبت هذا الحدث، حيث أن الواقع المهيمن، هو أن ((الإعلام المغربي غاب بشكل شبه تام عن الأجندة الرسمية للمغرب، أثناء تدبيره للمعركة الحاسمة لاسترجاع مقعد المملكة في هذا المحفل القاري)) (أخبار اليوم. 7 فبراير 2017).

وكان المهتمون الباحثون، مضطرين للرجوع إلى ما كتبته الصحف الأجنبية، لمعرفة ما يهم المواطنين المغاربة وقضيتهم الأولى، لأن ما جرى.. يهم الرأي المغربي المتعطش إلى معرفة ظروف ما جرى، وما سيجري(…) ليبقى تغييب الصحافة المغربية، غلطة لا تغتفر، وتجديدا لممارسة مرفوضة أخلاقيا(…) من طرف المشرفين على شؤون الصحافة في المغرب، والذين لا يعرفون: متى سيكون المؤتمر، وهل سيحضر الملك المؤتمر، لأن الأحداث التي تهم الواقع المغربي، أسرار لا يعرفها أحد، ولا يشارك فيها إلا الممتهنون(…) للرحلات والأسفار، الذين يعتبرون طرفا في الوفود الرسمية.

وقد كتبت وسائل الإعلام: ((إن السفارة الإثيوبية في الرباط توصلت من الكتابة الخاصة الملكية بخمسمائة طلب للتأشيرات)) وكأن الخمسمائة المرشحون للسفر، هم المخولون وحدهم، لتغطية حدث سيجري في إثيوبيا، بينما هو يهم الرأي العام الوطني بالدرجة الأولى.

فما هي أسباب هذه الاستهانة بالصحفيين المغاربة، وقد بدأت تتضخم مع الأيام، وتواكب سنين حكم الملك محمد السادس وكل المقربين إليه، إما أنهم يكرهون الصحفيين أو يخافون الاقتراب منهم، حيث القطيعة الأبدية مع كل من لا يحصل على تأشيرة(…) تغطية الأحداث إذا كانت في حاجة إلى تغطية.

نسمع أن الملك محمد السادس، اتصل تلفونيا بالرئيس الموريطاني في أعقاب تصريحات الاستقلالي شباط، ويرسل رئيس الحكومة بن كيران إلى نواقشوط، حاملا رسالة ملكية إلى الرئيس الموريطاني، ونقرأ بعد ذلك في جريدة تسمى “زهرة شنقيط”، أن الرئيس الموريطاني وأعضاء الوفد الموريطاني قاطعوا المأدبة التي استدعى لها الملك محمد السادس رؤساء الدول والوفود المشاركة في مؤتمر الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا.

ونقرأ في الصحف الأجنبية، أن رئيس البوليساريو، إبراهيم غالي قدم مذكرة لإلزام المغرب بتعديل الفصل 42 من الدستور المغربي، الذي يلزم الملك بالحفاظ على الوحدة الترابية المغربية قبل دخوله لعضوية الاتحاد الإفريقي، ولا يوجد صحفي مغربي اطلع على هذه الجزئية قبل نشرها في الصحف الأجنبية، للرد أو التعقيب عليها.

ونقرأ لمراسلة جريدة “لوموند” الفرنسية، بالمؤتمر، تشاؤمها من مستقبل ما سيجري(…) في أركان الاتحاد بعد قبول عضوية المغرب وتكتب: ((إن قبضة حديدية(…) في الكواليس اشتدت بين داعمي المغرب، والمعارضين له)).

ونقرأ للصحفيين الفرنسيين “بوازيوفيي” و”دوهيم” و”بورون” مقالا مشتركا في مجلة “جون أفريك” يخبرون فيه الرأي العام ((بأن الخطاب الملكي الأول بعد قبول المغرب اطلع عليه قبل قراءته، رئيس المؤتمر “ألفا كوندي” الذي حذف من الخطاب كل الفقرات المرتبطة بقضية الصحراء)).

نفس الصحفيين أخبرونا بعد التوسع في مناورات ومؤامرات الجزائر، وجنوب إفريقيا، والمشادات مع الرئيسة السابقة للمجلس، مدام زوما: ((بأن وزير الخارجية مزوار وبوريطا، تواصلوا في عناق حار(…) مع وزير خارجية الجزائر العمامرة)).

وليس العناق وحده يكون عنوان الحب والتعاون، بل إن صحفيي المجلة الباريسية كتبوا: ((إن الملك محمد السادس كان جالسا على بعد أمتار قليلة(…) من إبراهيم غالي رئيس البوليساريو، وأن وزير خارجية البوليساريو ولد السالك، علق على ذلك بقوله: أكثر من خمس مرات حاول المغاربة طردنا، وها هم يقبلون الجلوس معنا، إنه النصر)).

وإذا كانت وزارة الإعلام تحدثنا عن تواجد أكثر من 2500 صحفي في المغرب، ولا يوجد صحفي واحد يعلق أو يرد على هذه الجزئيات، باستثناء ما اتفقت أغلب اليوميات على وصفه بالانتصار محاطا بصورة الملك محمد السادس، وبجانبه المستشار الهمة، وإن كان انتصارا حقا، فإن عظمته تكمن في الجزئيات السرية التي كان مفروضا في اللوبي الصحفي المغربي أن يلعب دوره الوطني في مواجهة المناورات، ليبقى الاعتماد الكلي على ما كتبه الصحفيون الأجانب الذين لا تهمهم لا فيافي الصحراء ولا قفارها.

وكان مفروضا على الصحفيين المحظوظين، وهم وحدهم العاملون في قنوات الإذاعة والتلفزيون المغربي أن يحركوا حسهم الصحفي، ليقدموا لنا ذلك النقاش المسجل والمصور(…) بين رئيس المؤتمر الإفريقي “ألفا كوندي”، وبين رئيس الدولة المناوئة لانضمام المغرب “جاكوب زوما”، الذي فوجئ بأقطاب إفريقيين متعقلين يدعمون انضمام المغرب، فأخذ الميكروفون وقال شبه حكمة: إن الأغلبية المنطلقة من الحسابات لا يكون عادة معها الحق، ولكم أيها الرئيس أن توجهوا النقاش حسب رغبتكم (as you wish) ليخطئ الترجمان، وهو ينقل كلام الرئيس زوما، ويترجم التعبير الإنجليزي بقول “حسب رغبتكم”، ليتدخل رئيس الجلسة “كوندي”‘ بسرعة: أريد سحب تعبيركم “حسب رغبتكم” وأؤكد عليكم.. اسحبوا تعبيركم، إن جلساتنا ديمقراطية، والمجلس هو الذي يقرر، وهي الحادثة التي دفعت رئيس جنوب إفريقيا إلى الاعتذار، وبالتالي إلى سكوت واعتراف، كان سبب قبول المغرب، إضافة إلى إحجام ثلاث دول عن إعطاء رأيهم: رئيس موريطانيا، ورئيس النيجر، ورئيس التشاد، ليعلن رئيس المؤتمر: “أعلن قبول المغرب بالتوافق”. وهكذا كان ذلك الانتصار الصعب للمغرب، والذي قدم للمغاربة بعيدا عن أنظارهم باختصار شديد: انتصرنا، في غيبة صحفييهم(…) مادام الصحفيون المرضى عليهم بالقبول لا جرأة لهم على تقديم صلب الموضوع خوفا من فقدان مواقعهم.

ويبقى المستقبل المغربي وقضية بقاء البوليساريو شريكا في القرارات، منطلقا من آخر تعليق لرئيس جنوب إفريقيا زوما، الذي أخذ الميكروفون وقال حرفيا: ((لننطلق، لكننا سنستمر في كفاحنا من أجل الوصول إلى حل لقضية الصحراء الغربية)).

غلطة الترجمة التي رد عليها رئيس المؤتمر وكانت سبب تبريد الأجواء، أعقبتها غلطة أخرى ارتكبها رئيس وفد البوليساريو إبراهيم غالي، الذي لم يجد من يرد عليه، ولا من يوقفه عن أخطائه، حينما قال بالحرف المسجل: ((إن المغرب يجب عليه أن يغير دستوره الذي يجعله متوسعا في أراضي أربعة دول(…))).

ما هي هذه الدول الأربعة، مادامت حدود المغرب مرتبطة بموريطانيا، والجزائر؟

By dimarif