لن يكون لناشطي جمعيات حماية المستهلك بالمغرب، وهم يحتفلون يومه الـ 15 من مارس بيوم المستهلك العالمي، إلا أن يخرّوا راكعين أمام جبروت أكلة مغربية جديدة ساقتها الأقدار إلى كل مغربي آثر تناول وجبات “الفاست فود” في الشارع، وهجر “شهيوات” الوالدة التي تحبل بها موائدنا منذ الصغر، تُصبّ في صحوننا صبّاً لتفوح روائحها من خصاص النوافذ فتصافح أنوف المارة في الزقاق. فوجبة “خانز وبنين” اللذيذة، بمُكوناتها المجهولة الهوية، سرعان ما تحولت إلى أيقونة وطنية يحتفي بها الكبار والصغار، يتلقفونها بين أيديهم بحُنو في تقاطعات الطرق، ويقضمون منها وهم يمشون بتثاقلٍ مُستمرئين مذاقها الذي تتوثّب له الحواس.

“هامبورغر” للفقراء

لم يعرف أحد من أين أتت وجبة “خانز وبنين”، إذ لم يُرصد لها تاريخ بعينه ظهرت فيه، لكنّ بعض الجهابذة المُتمرّسين من أكَلة “الصوصيط” و”التّقلية” بالأسواق الأسبوعية، رجّحوا أن يكون ظهورها قد عاصر فتح أولى محلات “ماكدونالدز” و”بورغر كينغ” في الأحياء الراقية بالمغرب، إذ ما إن استقبلت هذه المحلات فئة بشرية خاصّة من المواطنين الذين يخلطون بين الدارجة المغربية والفرنسية في كلامهم، وبين المايونيز وأصابع البطاطا المقلية “الفريت” في وجباتهم، غصّت حُلوق الفقراء والمتوسطي الدخل بحُرقة مريرة، فارتأوا أن يؤسسوا ثقافة “فاست فود” خاصة بهم، لذا أخرجوا إلى الطرقات عرباتٍ أكل مجرورة بدل المحلات الفارهة، و اختاروا – بغير كبير عناءٍ – أكلة “خانز وبنين” الأسطورية لتكون “بمثابة كومة الإسمنت التي تطلي أمعاءهم كي تحميَهم من وخز الجوع لساعاتٍ طوال”، حسب رأي أحد عاشقي “خانز وبنين” الذي مات مسموماً في ظروف غامضة.

حمار في كسرة خبز

“خانز وبنين” ليست له مكوناتٌ ثابتة أو مُقننة كالتي لوجبة الكسكس أو الحريرة مثلاً، هو أشبه بمشروع استخباراتي تحميه جهاتٌ غير معلومة، لذا لم يرد إلى أسماع العامة حتى الساعة، أن إحدى جمعيات حماية المستهلك قد جازفت لتدفع بقطعة منه إلى مختبر علمي لتفحّص مكوناته، لأنه حسب رأي ذات الجهابذة في فن طبخ هذه الأكلة العجيبة، لا سبيل للعلم ولا لـ “شُميشة” أن يتوصلوا ولو إلى حين إلى مكوناته التي تتجاوز بغرابتها حدود فنّ الطهي والمنطق، لكنّ بعض الخونة من رُعاة المذابح السرية قد أسرّوا لبعض الصحافيين المأجورين فيما مضى، أن أمعاء الحيوانات المذبوحة – أو حتى المنتحرة – من البقر والبغال والحمير تدخُل كعُنصر أساس في مكونات “خانز وبنين”، قبل أن يستطردوا دون استحياء، “أن أصنف “العطرية” والبهارات وأقراص البصل التي تُراكَم عمداً داخله، إنما هي كنوعٍ من التمويه الذكي لإخفاء رائحة اللحم الفاسد الذي يحويه”.

لن يختلف اثنان في أنّ “خانز وبنين” أصبح ضرورة وطنية آسرةً رغم كراهية الجميع لها، واسمُه في شقّيه المتنافرين لأوضح دليل على ذلك، لأنّ كلمة “خانز” تُوحي بأنّ مُجرد محاولة شمّه لنوعٌ من الانتحار، في حين ترفعنا كلمة “بنين” إلى عوالم اللذة اللامتناهية حيث تتماوج المُتعة النورانية بمصارين حمار سرغيني ميت !