رشيد المساوي:
تقديم : لو قدر لشخص أجنبي أن يزور الريف لأول مرة ، سيلاحظ دون شك انعداما شبه كامل لكل ما يرمز او يدل كأثر مادي على وجود حضارة ريفية موغلة في القدم ؛ إذ قد يخال ان عمارة هذه الارض لأول مرة لا تتعدى بضع عقود . و هذا ما تنبهت له باحثة مكسيكية تشتغل على الأضرحة في الريف لأنها الشواهد المادية الوحيدة تقريبا على الحضارات التي تعاقبت على هذه المنطقة . و يرجع سبب هذا الغياب الى وجود سياسة ” مغولية-تتارية ” تنهجها الدولة المخزنية تجاه هذه المنطقة لاجتثاث و تدمير كل ما يوحي الى تاريخ الريف، سواء كان مرتبطا بالماضي البعيد او القريب . أي هناك نية مبيتة لاقتلاع الإنسان الريفي من جذوره ، و جعل الريف حضاريا ” قاعا صفصفا تعوي فيه الذئاب و تنعق فيه الغربان ” ؛ و ذلك بالموازاة مع سياسة التهجير و التفقير التي يراد منها دفع الريفيين للانسلاخ عن هويتهم ، و الذوبان في الآخر سواء الداخلي او الخارجي .
– ” طحن مو ” كسحق للهوية .
إن المتأمل للحيثيات و الملابسات التي رافقت استشهاد ” محسن فكري ” يوم 28 أكتوبر 2016 دفاعا عن حقه في العيش الكريم على أرضه و بين إخوانه ، ستستوقفه لا محالة عبارة ” طحن مو ” التي صدرت من الجهة التي لم تتقبل احتجاج محسن فكري و صادرت حقه في الحياة . و هي عبارة بليغة في تكثيفها لأقصى درجات العنف الرمزي شكلا و مضمونا . شكلا لأن العبارة صيغت في لغة ليست هي لغة المنطقة عاكسة الإستيطان الثقافي القائم ، و مضمونا لأنها تختزل علاقة الحكرة و الكراهية و الحقد التي يكنها الجلاد المخزني للضحية .
و إذا انتقلنا إلى ماوراء الدلالة الظاهرية للعبارة ، سنكتشف أن المستهدف المراد طحنه للتخلص من مقاومته و رفضه لواقع الحال ليس هو الشهيد ، و إنما هي أمه لانه منها تشرب ثقافة الممانعة و الإباء و رفض العبودية الطوعية او القسرية. فالأم هي حامية و حاملة الثقافة الاصلية بامتياز ( نقول اللغة الأم و الوطن الأم للدلالة على هذا المعنى ) لذلك فهي المستهدفة بالدرجة الأولى . فالأم هي الهوية التي تأبى الإنمساخ ، و ترفض تنكر أبنائها لها كلغة و ثقافة و تاريخ و حضارة تتوارثها الأجيال.
– تجليات إبادة الحضارة الريفية .
إن الحديث عن وجود إبادة للحضارة الريفية ليس مجرد مصادرة على المطلوب ، بل واقع قائم يفقأ العين ، و ينفطر له القلب الذي يعي أهمية الحفاظ على التنوع الثقافي في إغناء شخصية الشعوب . فهذه الإبادة شملت كل ما يرمز إلى التاريخ القديم للريف ،حيث تم غمر كل ما يرتبط بمدينة النكور و حضارتها عبر إقامة سد عليها لمحو كل أثر لها . و نفس المصير تقريبا عرفته مدينة بادس التي مازال جزء منها واقعا تحت الإحتلال الإسباني. اما مدينة المزمة فالأشغال جارية لتخريب ما تبقى من آثارها عبر اقتلاع الغطاء الغابوي المحيط بها، كمقدمة للزحف عليها ب” ثقافة الإسمنت و الحديد ” . أما أضرحة علماء الريف فتلقى إهمالا منقطع النظير ، و لا يعرف أماكن وجودها إلا القليل، على خلاف ما هو عليه الأمر في مناطق اخرى من المغرب.
أما إذا انتقلنا إلى تاريخ العصر الحديث فلن نحتاج إلى كبير جهد لإثبات ما ندعيه . فعلى سبيل المثال لا الحصر ، نجد إصرارا حد العناد لدى الدولة المخزنية على تدمير كل ما يمت بصلة إلى تاريخ المقاومة الريفية و زعيمها محمد بن عبد الكريم الخطابي .فلم يسلم من ذلك حتى مقر إقامته بأجدير ، او بنايات المؤسسات التي أنشأها ( مثلا مقر المحكمة بأخشاب أومغار بتمسمان ) ، او كل المعالم التاريخية التي ترمز إلى أحداث هذه المرحلة التي لم يمض عليها أكثر من قرن ( مثلا ، لماذا لم تعتن الدولة بضريح أحمد الريسوني بتماسينت الذي لقي إهمالا تاما ؟ ! ) . ناهيك عن الإستبدال المتعمد لأسماء بعض الأماكن لحمولتها التاريخية ( مثلا، تسمية بوكيدارن بسيدي بوعفيف ، او أنوال بتليليت ) . و الأنكى من ذلك نجد أن التعامل نفسه يتم مع كل المنشآت التي خلفها الإحتلال الإسباني للمنطقة ، إذ تضمحل بالتدريج ، و بعضها تعرض للهدم الشامل و المقصود . و إنه لمفارقة عجيبة غريبة ان يحافظ الإسبان على مآثر تاريخية ترمز للغزو الإسلامي لبلاد الأندلس تعود لاكثر من ستة قرون ، و تدر على اسبانيا مداخيل هامة في إطار السياحة الثقافية ؛ بينما يدمر او يهمل المغرب مآثر إسبانية لا يتعدى وجودها قرنا من الزمن.
خلاصة مؤقتة : هذه فقط بعض التجليات التي تكشف عن كون حضارة الريف بجميع أبعادها اللغوية و التاريخية و العلمية و الدينية و غيرها مستهدفة في حقها في الوجود ، و أصبحت عبئا ثقيلا على الدولة المخزنية التي ترى فيها تشويشا على شرعيتها. و من شأن الوعي بهذه السياسة و العمل على التصدي لها بالسبل الحضارية المتاحة أن يشكل انبعاثا جديدا للريف الذي بدات تباشيره تلوح في الأفق بفضل الحراك المبارك الذي نعيشه ، و الذي أوقدته الصرخة المدوية للشهيد محسن فكري. و هذا يستوجب منا أن ندرك أهمية تحقيق مطلبي إقامة جامعة و متحف ، كمدخل لنفض الغبار عن ذاكرتنا المجيدة التي يراد محوها من الوجود باعتبارها المسؤولة عن ثقافة المقاومة و التشبث بالكرامة و الحرية التي نفتخر بها ( الريفي يكون حرا أو لا يكون / أريفي ذاحوري ).
