2 أبريل 2017

ريف 24:

في أقصى شمال المغرب، وفي منتصف الساحل المتوسطي لهذا البلد، تقع مدينة الحسيمة، التي تعتبر من أهم حواضر الريف الكبير. هنا.. حيث كان الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، يقاوم الاستعمارين الإسباني والفرنسي..هنا حيث ألحق بهم هزيمة ماحقة..هنا الأرض التي قال فيها الريفيون “لا”..”لا للاستعمار”.. “لا للظلم”..”لا للاستبداد”..هنا حيث مات بائع السّمك محسن فكري سحقاً في شاحنة للنفايات.. منظر مشؤوم يندى له الجبين..منظر يعيدنا لسنوات الاستعمار، التي ساد فيها قانون الغاب.
 
في الحسيمة، تغلغل النضال في عروق الريفيين، وسار في شرايينهم، حتى صاروا يرفعون شارة النّضال صغيراً وكبيراً.. نضال هادف يدافع عن قضايا اجتماعية، وله مطالب مشروعة، من قبيل إنشاء مستشفى لعلاج مرضى السرطان، على اعتبار أن أكبر نسبة للمصابين بهذا المرض الخبيث بالمغرب، تتواجد بالحسيمة، وكذا إنشاء جامعة للطلبة، من أجل استكمال الدراسة. ويعجب المرء كيف للحقوق المشروعة أن تصبح مطالب اجتماعية، تتعارك فيها الساكنة وتبذل كل ما بوسعها من أجل إيصال صوتها للمسؤولين.
لا يخفى على أيّ مطلع، على لائحة المطالب الاجتماعية التي يرفعها هؤلاء للدولة، أنها تخلو من أي رغبة في “الانفصال عن المغرب”، أو “تأسيس جمهورية”، وما شابه ذلك من التّهم التي تلاحق الساكنة. وبالرغم من ذلك، تجد مغالطات كثيرة تُنشر عن الريفيين هنا وهناك.
مؤخراً، نشرت جريدة مغربية معروف خطّ تحريرها ، ملفاً عنونته بـ”المؤامرة”، تتهم فيه نشطاء الحراك الشعبي بالحسيمة “بالنزعة الانفصالية، وبالموالاة للجزائر، التي تدعم هذا الحراك”، على حدّ ما جاء في الجريدة. كما أنها أكدت تلقي الحراك الشعبي، لدعم خارجي، من قبل جهاتٍ لم تذكرها. زد على ذلك أن جرائد إلكترونية كبرى في المغرب، تنشر مقالات تباعاً، تتهم فيها الساكنة بالانفصال. وما تستغرب له وأنت تتطلع على هذه الأخبار أنها لا تُقدّم للقارئ مصادر أحكامها وقلاقلها، وكأنك تقرأ إشاعات، أو كلام “نمامين”، لا مقالات وملفات صحافية، لتسقط مصداقيتها، ويظهر للقارئ أن الجريدة تحيك مؤامرات ضد الحراك الشعبي، تحت عنوان “المؤامرة”.
هي إذن، حرب إعلامية ضخمة تُشنّ ضدّ الحراك الشّعبي على وجه الخصوص، وضدّ الريفيين عموماً، وكم من مرّة تلزمك المواقف، بأن تدافع عن انتمائك لهذه البقعة الطاهرة من الريف.. وكم من مرّة تكون مجبراً على الدخول في شد وجذب مع مغاربة الرباط والمدن الأخرى، لتؤكد لهم أن هذه الساكنة المغلوب على أمرها، لا تريد الانفصال كما هو مشاع، بل إنها تريد الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.
أحرار الريف أعطوا درساً للعالم في النضال، خاصة بعد موت محسن فكري، الذي صار اسمه أشهر من نار على علم. فمنذ ذاك الحدث المؤلم، خرجت مظاهرات واحتجاجات في الحسيمة، تطلب بأن يأخذ التحقيق مجراه، وبأن يتمّ الكشف عن اللوبيات و”المافيات” التي تتحكم في صيد السمك بالحسيمة.. بعدها جاءت لائحة مطالب اجتماعية مشروعة، لا شيء عليها يعاب، وإن كنا نتّفق في أشياء، ونختلف في أخرى. فإذا بك تجد ملفات تلو الأخرى، تُنشر وتذاع وتُتلفز على أوسع نطاق، تحرّض النّاس على كره “الريفيين”، وعلى اتهماهم بالنزعة الانفصالية، رغم أن أكثر الناس حبا لهذا الوطن، ولهذه الأرض..هم الريفيون، وأهل مكة أدرى بشعابها.
وما يثير الاستغراب، أنه في كل مرة تخرج أصوات الأحرار للتظاهر بشكل سلمي، إلا وخرجت مقالات ليلتها تتحدّث عن تمويل الجزائر لهذا الحراك، وعن وجود دعمٍ لوجيستيكي ومادي. وكأن الجارة الجزائرية تأخذ على عاتقها كلّ صغيرة وكبيرة تحدث في المغرب. وكأن نشطاء الريف أتباع لها، يعملون بأوامرها. وهي إشاعاتٌ تخلقها جهاتٌ معروفة، من أجل التشويش على الحراك الشعبي، ومن أجل اتهام الريفيين “بالانفصال”.
إن أكبر الحلول التي يمكن أن تقدمها الدولة للريفيين اليوم، هي الاستجابة لمطالب إنشاء المستشفى والجامعة، وأن تحرص على سيادة العدالة في هذه المنطقة الصغيرة من المغرب.
هم ريفيون أشاوس وأحرار، لكن..متهمون حتى تُثبت براءتهم !وسام الحنكاري

By dimarif