انتهت أول أمس الخميس مغامرة فرار أشهر مبحوث عنه من طرف السلطات الأمنية والقضائية المغربية، المتهم في ملف الاتجار الدولي في المخدرات، إذ سقط أخيرا سعيد شعو، رجل أعمال وبرلماني سابق، في قبضة العدالة الهولندية، في انتظار استكمال إجراءات تسليمه إلى السلطات المغربية.

سعيد شعو، المزداد سنة 1967 بمنطقة “امنود” بإقليم الحسيمة، مزج بين السياسة وعالم الجريمة، من خلال ورود اسمه، لأول مرة، في شبكة بارون المخدرات نجيب الزعيم الذي يقضي عقوبة حبسية بسجن عكاشة بالدارالبيضاء على خلفية الاتجار الدولي في المخدرات. ولم يظهر لشعو أثر في المغرب منذ اعتقال الزعيم، حيث فر إلى هولندا سنة 2010، وصدرت في حقه مذكرة بحث دولية في سنة 2015 على خلفية التهريب الدولي للمخدرات.

وتحمل المذكرة تهما ثقيلة تتعلق بـ”تكوين عصابة إجرامية والارتشاء والاتجار الدولي بالمخدرات”، وتدعو كل أفراد القوات العمومية إلى “توقيفه وإيداعه سجن الدارالبيضاء إلى أن يصدر ما يغير هذا الأمر”.

دخل شعو عالم السياسة عبر بوابة حزب العهد الذي تأسس سنة 2002، والذي كان يترأسه نجيب الوزاني، قبل أن يندمج مع “البام”، غير أن عملية الاندماج لم تدم طويلا، حيث قرر الوزاني التراجع عن المبادرة والبقاء على رأس العهد الديمقراطي الذي عرف في ما بعد سلسلة من المشاكل ساهمت في إزاحة الوزاني عن الرئاسة.

اختفى شعو طويلا عن الأنظار بعد اكتشاف تورطه في شبكة الزعيم، وتخلى عن “أنشطته” السياسية، لكنه سرعان ما سيعود إلى واجهة الأحداث في أوج اشتداد احتجاجات الريف، من خلال إقحام نفسه في الأحداث عبر ما يسميه “حركة 18 شتنبر لاستقلال الريف”، التي أسسها في 2014، والتي رغم أنها لا تضم في صفوفها أية قاعدة حقيقية من الأعضاء إلا أنها أسهمت في استفزاز السلطات المغربية، رغم أن سياق تأسيسها يؤشر على وجود منزع نحو ابتزاز السلطات المغربية خاصة بعد إصدار مذكرة بحث دولية ضده.

وبالنظر إلى ورود اسم شعو في محاضر شبكة الزعيم، طالبت السلطات المغربية نظيرتها الهولندية باعتقاله وتسليمه، لكن تلكؤ هولندا أزعج السلطات المغربية التي بادرت إلى استدعاء سفيره، لتدخل العلاقات الثنائية بين المغرب وهولندا عتبة أزمة، لن تنقشع غيومها إلا بعد الإعلان عن اعتقال البرلماني السابق.

مسار شعو لا يختلف كثيرا عن مسار بعض شباب الريف، فبعد انخراطه في مشوار دراسي امتد إلى نيله شهادة البكالوريا سنة 1985، هاجر إلى هولندا في أواخر الثمانينيات، لينخرط في عالم الأعمال حيث أقام مشروع مقهى بمدينة روندال، وحصل على ترخيص لترويج وبيع جرعات محددة من الحشيش للاستهلاك، لكن عدم احترامه للمقاييس المحددة قانونيا فرض على السلطات الأمنية إغلاق المقهى سنة 1998.

راكم شعو ثروة مهمة ليعود إلى المغرب سنة 2000 بحثا عن فرص الاستثمار، خاصة في المجال السياحي والنقل الدولي، ويدخل غمار السياسة.

استفزازات شعو للسلطات المغربية، بصفته زعيم ما يسمى “حركة 18 شتنبر لاستقلال الريف”، ذهبت إلى أبعد مدى بعد الأخبار التي راجت عن مراسلته للأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس، يثير فيها انتباه الأمم المتحدة إلى خطورة الأحداث في الريف، مستعملا مصطلحات من قبل احتلال مزعوم للريف، راسما صورة قاتمة حول الاحتجاجات.

في سنة 2010 سيعود شعو إلى الاستقرار بصفة نهائية في هولندا بعد اعتقال بارون المخدرات نجيب الزعيم، وحجز سلطات مدينة الناظور شحنة مخدرات تزن 7.5 أطنان كانت معدة للتهريب إلى أوروبا، وهي العملية التي عجلت بعودة شعو إلى هولندا وتخليه عن أنشطته التجارية والسياسية بالمغرب.

بعد افتضاح تورطه في الاتجار الدولي للمخدرات، وجد شعو نفسه أمام الحائط، ليصبح أكثر راديكالية، وهو ما عكسته مبادرة تأسيس “حركة 18 شتنبر للمطالبة باستقلال الريف”، واتهامه بأنه يشكل وقود الاحتجاج الذي لم يتوقف رغم المبادرات الحكومية وغير الحكومية الهادفة إلى تهدئة الأوضاع بالريف ومعالجة الأسباب.

تسارعت الأحداث في الأيام القليلة الماضية، إذ أصدرت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون بلاغا حاد اللهجة، يطالب “السلطات الهولندية بضرورة اتخاذ تدابير ملموسة وعاجلة ضد هذا المهرب الذي يرتزق من الاضطرابات”، ويؤكد بأن “المهرب المذكور صدرت في حقه مذكرتا بحث دوليتين، إثر تبليغ عنه من طرف العدالة المغربية، بسبب تكوين عصابة إجرامية منذ سنة 2010، والاتجار الدولي بالمخدرات منذ سنة 2015″، مضيفا أنه “تم إرسال معلومات دقيقة إلى السلطات الهولندية تفيد تورط المهرب المذكور في تمويل وتقديم الدعم اللوجستيكي لعدد من الأوساط شمال المملكة”.

وأكد البلاغ أن “المغرب، الذي كان دائما متعاونا في مجال مكافحة المخدرات، وبطلب ملح من الاتحاد الأوروبي وهولندا، لن يسمح بأن يحظى مهرب مخدرات بوضعية خاصة تسمح له بإعادة خلق ظروف ملائمة لأنشطته الإجرامية”.

ويتابع شعو، كذلك، على خلفية قضية ثانية بهولندا تتعلق بتهم خطيرة، إذ تم إيقافه في يونيو 2015 بتهمة تشكيل عصابة إجرامية وتهريب المخدرات والسلاح، وهي القضية التي سيقول فيها القضاء الهولندي كلمته قبل متم العام الجاري.

بعد انتشار خبر اعتقاله من طرف السلطات الهولندية، أكدت وزارة العدل الهولندية أن إيقاف سعيد شعو جاء بعد إعطاء ضمانات والاستجابة لمطالب ومعايير صارمة طالبت بها وزارة الأمن والعدل الهولندية من نظيرتها المغربية في حال متابعته بما هو منسوب إليه، وأضافت الوزارة في بلاغ لها، أنه سيتم متابعة المتهم من طرف النيابة العامة الهولندية أمام المحكمة التي ستقرر في المنسوب إليه، ويحق للمتهم أن يستأنف حكم المحكمة.

وشدد البلاغ على أن هولندا لا تسلم مواطنيها إلا بضمانة تؤكد أن المتهم في حال إدانته سيقضي عقوبته في هولندا وأن تخضع العقوبة المحكوم بها للمعايير الهولندية، وأوضحت أن شعو سيتابع بتهمة المشاركة المزعومة في الاتجار بالمخدرات وليس بسبب أنشطته السياسية المتعلقة بالاحتجاجات الحالية بمنطقة الريف المغربي، وقد أكدت وزارة الأمن والعدل الهولندية أن “المغرب لم يقدم هذه الضمانات سنة 2015 عندما طلب بتسليم المتهم”.

في المقابل، أعربت وزارة العدل، أول أمس الخميس، عن ارتياحها للتفاعل الإيجابي الذي أبدته السلطات الهولندية اتجاه طلب إيقاف سعيد شعو المقدم من طرف السلطات القضائية المغربية المختصة. وأكدت الوزارة، في بلاغ لها، أن “هذا التجاوب يعد ثمرة تعاون قضائي متين منذ سنوات بين السلطات القضائية بالبلدين لمكافحة الجريمة، بما فيها الجرائم المنظمة، والحد من حالات الإفلات من العقاب، ويعكس الثقة التي يحظى بها القضاء المغربي على المستوى الدولي، ويكرس النظرة الإيجابية إلى جهود الإصلاح المبذولة في مجال العدالة المغربية، ويشهد بالتزامها بسيادة القانون واحترامها لحقوق الإنسان ومعايير المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا”.

وأكدت وزارة العدل أن “طلب إيقاف سعيد شعو تم في إطار المساطر المعمول بها وفق آليات التعاون القضائي الدولي، وأنه بعد إنهاء مسطرة تسليمه ستتم محاكمته من أجل الأفعال المنسوبة إليه أمام الجهة القضائية المغربية المختصة وفق ما ينص عليه القانون المغربي في احترام تام لضمانات المحاكمة العادلة”.

جمال بورفيسي

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn