ما جرى يوم عيد الفطر لا يمكن أن يمر هكذا، إذ شكل صدمة للرأي العام الوطني والدولي، بمشهد مؤلم وغير مبرر، ذكّر المغاربة والعديد من المناضلات والمناضلين بسنوات عجاف اعتقدنا أننا طوينا صفحتها، والدولة معنا، بالمصالحة والإنصاف، وها نحن نجد أنفسنا اليوم أمام سيناريو مماثل مع تغير طفيف في الأدوار والفاعلين، مما ينسف مسلسل التحديث والديمقراطية، ويعود بنا إلى زمن الضلال الحقوقي والسياسي. قد يقول قائل إننا نزايد، وإن الأمر يتعلق بإجراءات أمنية عادية قد تقع في كل البلدان، وإن الأمر لم يتجاوز تفريق المحتجين، وهذا قول غير سوي، وينم عن جهل بالواقع والسياق والظروف، فبشاعة الصور التي تناقلتها العديد من الوكالات الأجنبية، وفيديو ذلك الشاب الممدد على الأرض، الذي لم يشفع له تمدده في تلقي الضربات، وصورة الشابتين وهما تتوسلان رجال الأمن فكان نصيب إحداهما ركلة فيما أفلتت الثانية، إلى غير ذلك من الصور المستفزة، التي ستواجهنا، وسنجد أنفسنا كمغاربة، وستجد الحكومة نفسها في موقف المدافع المهزوم أمام المنظمات الدولية، فيوم العيد لم يكن يوما داميا فقط، بل كان يوما لتدويل ملف الحسيمة، بعد الإشارات الإيجابية للمجلس الوزاري.
وبالعودة إلى المجلس الوزاري، فقد كانت قراراته فاتحة لذكاء سياسي في التعاطي، ولو متأخر ولكن فعال، مع احتجاجات الحسيمة، بيد أن هذه القرارات سرعان ما تم الانقلاب عليها، أو كان هذا هو المسعى، من خلال يوم العيد الدامي، الذي أبرز بجلاء أن:
أولا، هناك من لا يريد حلحلة المشكلة بل يعمل جاهدا على خلط الأوراق وخلق أجواء الفوضى للتغطية على تورطه وأخطائه السابقة والحالية وتبرير إجراءات قادمة قد تقوض مسارنا ومكتسباتنا الديمقراطية والحقوقية، بهدف انتشار المظاهرات في كل المغرب لخلق الفتنة وخلط الأوراق وتدويل الملف والخروج بسلام من هذه الورطة وتحميل المتظاهرين بسلم كل المسؤولية.
ثانيا، وهو تفسير يرتبط بالأول، ويتمثل في كون اليد الخفية التي تحاول تأجيج الوضع باستخدام القوة العمومية تحاول القفز إلى الأمام للتغطية على أخطاء التقارير والتصريحات، التي وصفت، عن سوء نية ولغاية في نفس يعقوب، المتظاهرين بأنهم من ذوي النزعة الانفصالية، وبلاغ وتصريحات الأغلبية خير دليل على ذلك. وهذه اليد الخفية تحاول جاهدة تأكيد صحة تقاريرها الأولية رغم أنها تعلم أنها مغلوطة، ولهذا السبب لا نستغرب أن تتمادى أكثر، ولو أن واقع الحسيمة ورقي وتحضر المتظاهرين فند كل معطيات كل تلك التقارير البئيسة…
إن ملف الحسيمة اليوم، بحاجة إلى ذكاء سياسي، عبّر عن جزء منه المجلس الوزاري في قراراته الأخيرة، قبل أن يتم الطعن فيها يوم عيد الفطر من خلال التدخل الأمني، ونحن هنا لا نحمّل المسؤولية كاملة لقوات الأمن، لكن تدخلها، كما عاينا بالصور، كان غير موفّق، فالمواطن ليس خصما لقوات الأمن، بل الجميع شركاء في هذا البلد، وأبناء وبنات هذا الوطن يسعى جميعهم لحمايته وحماية استقراره والدفاع عن مؤسساته والرقي بشعبه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا…
الذكاء السياسي المنشود يقتضي القطع مع المقاربة الأمنية، وإيجاد فاعلين جدد للتعاطي مع ملف الحسيمة، فلا يمكن توقع نتائج مبدعة أو الوصول إلى حلول ناجعة، بمعية نفس الفاعلين، الذين فشلوا في ذلك، منذ أكتوبر الماضي إلى اليوم…
والذكاء السياسي يقتضي فعلا البحث عن مكامن الخلل بكل تجرد ووضع الأصبع على العضو المريض بالجسم، فمعرفة الداء ومكانه أولا هي المدخل الأساس للدواء، وإيجاد فاعل جديد محايد يشرف على مخرجات التحقيق، الذي قرره المجلس الوزاري، ويتجاوز اختلالات ونقائص تنفيذ برنامج “الحسيمة منارة المتوسط” ويتفاعل إيجايا مع مطالب السكان ويستعيد ثقتهم، ولا يمكن أن يكون هذا الفاعل السياسي إلا لجنة ملكية تهتم بمواكبة ملف ومشاريع الحسيمة وبكل المشاريع الأخرى، التي أشرف على انطلاقتها الملك، من خلال التتبع والمواكبة.
ومن بين العناصر الأخرى ومكونات الذكاء السياسي، هناك العفو عن المعتقلين، الذي لن يشكل أي تنقيص من هبة ومن شأن الدولة، بل هو سلوك حضاري ومكون أساسي للمصالحة مع الذات، مع أبناء وبنات هذا الوطن، حيث لا مجال لخاسر ولا رابح، وإنما رفعة هذا الوطن، وطن للجميع يَستوعب ولا يُستوعب، وطن كل المغاربة نسير فيه بنفس السرعة وعلى نفس الخط، وألا نترك وراءنا أي أحد، بل يأخذ بعضنا بيد بعض لبناء مستقبل أجيالنا…
خالد أدنون
