53eae05c-39c4-4b73-92d7-29989a447046

     منذ أشهر معدودة من ربيع 2016 بدأت ركائز دولة الخلافة المزعومة تنهد واحدة تلو الأخرى، بداية بتكريت مرورا بالفلوجة، و انتظارا للموصل، ثم الرقة مركز الإرهاب بسوريا، بعد أن صمدت وتوسعت مدة عامين كاملين.

    وكانت المنظمة الإرهابية أول الأمر تنجح في استقطاب الشباب المتحمس للدفاع عن العقيدة و الفوز بالجنة، باعتبار القيم المروجة إعلاميا من طرفها، ولولا الإرهاب الممنهج، والقتل المختلف ألوانه، و الهمجية التي قل نظيرها، لربما كان التوجه الجهادي قد ينجح جغرافيا في احتلال رقعة مذهبية لوقت قد يدوم، مع دوام الاعتدال و الفطرة السليمة، وعدم التعدي على حدود الله في قتل المسلمين الموحدين، والآمنين والعزل، و أهل الذمة، و السجناء، والأبرياء و الأطفال والنساء، في فتاوي غريبة تجمع العدو مع الصديق، و تفجر السني والشيعي و المسلم والمسيحي.

    هي حرب طائفية، لا نعلم مخططيها، لكننا نعلم ضحاياها من الأبرياء سنة في الفلوجة، وشيعة وسنة في الكرادة و بغداد وغيرها، نعلم أن زعماء الحرب و مناصري التفرقة و تقسيم العراق وسوريا هم الفائزون في النهاية، بداية من التوجهات العرقية كتوجه الأكراد، و نهاية بإسرائيل و القوى العظمى، التي تدعي حنينها لعهد صدام، وتريد الحفاظ على الأسد رمزا للاستقرار….كل هذا نكاية ونتيجة لسياسة دولة الخلافة – الخلافات –

    كلنا يتذكر انقلاب الفرنسيين السياسي والديبلوماسي بعد تفجيرات باريس لصالح بقاء الأسد، وتحول الاستراتيجية الأمريكية ضد دعم المعارضة المعتدلة بسوريا، في معادلات متداخلة، مع تداخل مصالح الدول المتربصة.

   هل نفذ مجاهدو الدولة الإسلامية المزعومة مخططات تقسيم وترويع و إفشال للدين الإسلامي؟؟ نعم لقد تم ذلك بمنهجية رائدة وحكمة بالغة، لكن هل كان ذلك بعلمهم و إرادتهم، أم كان بتخطيطات مخابراتية، تستغل جنوح الجانحين وتهور المتهورين؟؟

أسئلة لن نجيب عنها اليوم، وقد لا نجيب عنها غدا، تماما بنفس الأسئلة التي خلقت بعد إفشال الربيع العربي.

  منذ يومين قام أحد الإرهابيين بدهس 85 بريئا بمدينة نيس الفرنسية، فقتل الأطفال و النساء و العزل الأبرياء، ولم يبق بالساحات الآمنة سوى حقائب السيدات ولعب الأطفال و عرباتهم، ونسبت بعض المصادر الهجوم للمنظمة الإرهابية، وهو هجوم نوعي فيه إبداع وسيلة جديدة، لكنها هي نفس وسيلة حرق 292 بريئا في حي الكرادة ببغداد، وهي شاحنة تبريد كبيرة، و من القتلى تونسيون وجزائريون و أمريكان وبريطانيون…

  هل كانت عملية نيس منفردة ؟ مع ما وجد من أسلحة و قنابل يدوية بالشاحنة، فلا يمكن للمخابرات و الأمن أن يكتشف كل محاولات فردية أو ما يسمى بالذئاب المنفردة، و ما جرى بتركيا من تفجيرات مختلفة في الأشهر الأخيرة يؤكد الأمر.

  كما أن التحضير للانقلاب الفاشل ليلة الجمعة التاريخية بتركيا، لا يمكن أن يكون داخليا، بقدر ما هو مخطط له منذ مدة طويلة من طرف مخابرات خارجية غير معلومة، و قد فضح تأخر أمريكا وفرنسا و روسيا في التنديد بالانقلاب لغاية ظهور فشله، نوايا الدول الكبرى في سقوط نظام أردوغان القوي، ما يجعل فرضيات المساهمة في التخطيط والتفجيرات قد يكون خارجيا، و بالتالي فظهور منظمة داعش الإرهابية، ليس له دواعي إيديولوجية فقط، بل هو منظم له، كما نظم من قبل لظهور طالبان والقاعدة، اللتين مولتا من طرف خصوم المد الشيوعي، وخصوم الأنظمة الإسلامية المحافظة.

  هل تكون لمحاولة الانقلاب ضد النظام التركي أبعاد خارجية تؤثر في تنظيم داعش؟؟ سؤال صعب الجواب عليه، لكن لو نجح الانقلاب لكان الجواب عنه أسهل بكثير، حيث روج زعماء الانقلاب التركي الفاشل في أول ساعات نشوتهم بسحب الجنود الأتراك من شمال سوريا، وبالتالي دعم النظام السوري بشكل أو بآخر، و ربما مساعدته في القضاء على المقاومة المعتدلة و حتى المتطرفة.

  ما لم يكن يفهمه المتتبع العادي هو الإجراءات غير المسبوقة للرئيس أردوغان قبل أسابيع وأيام، حين أعاد العلاقات الوطيدة مع إسرائيل وروسيا، وتودد لسوريا في نفس الوقت، ليتبع بانقلاب سريع خاطف مخطط له، ما فسر بعد ذلك سر الانقلاب الأردوغاني على القيم السابقة، حيث أصبح نظام أردوغان مطلوبا من طرف كل مخابرات المنطقة.

  لقد مالت مؤخرا عمليات ما يسمى بالدولة الإسلامية للعمل الإرهابي الكبير خارج قواعدها المتداعية، للانتقام و لكسر الخسارات المتتالية، وما تفجير حي الكرادة و عملية نيس وغيرهما إلا أمثلة في ذلك، حيث تستعد القيادات الإرهابية للذوبان والتحلل وسط الخلايا النائمة، وتحضر للهروب الكبير أو الموت بأكبر الخسائر للخصوم كنتيجة لسقوط الرقة قريبا، و ما خسارة قائد الحرب الشيشاني إلا علامة في نفس الاتجاه.

   هي شهور معدودة لسقوط دولة الخلافات الإسلامية، قد تسبق بتنسيق تاريخي بين روسيا و أمريكا، حيث زار كيري موسكو ليلة الانقلاب الفاشل بتركيا، فتنسيق أكبر مع النظام السوري والعراقي والإيراني بدعم أكبر من فرنسا الجريحة وبريطانيا المساندة والاتحاد الأوروبي البراغماتي، لتقريب طرفي الكماشة على ما بقي من مساحات الدويلة المارقة وتشتيت وقتل ما بقي من عناصرها بالاعتماد على سلاح الجو الفتاك، عبر التاريخ، الذي سيحسم المعركة كما حسمها من قبل مع صدام وبن لادن، حينما توفرت الإرادة، واكتملت أجندات المخطط الإرهابي الدولي في تفتيت و إضعاف العراق، ثم سوريا ومن بعد تركيا…والبقية تأتي.

جمال يجو – مدير جريدة أحفير24

By dimarif