كاسِرَةُ الأقْدار
***
كان اليوم كئيباً، وعواصِف الرّياح العنيفة تُكسِّرُ أغْصان الأشْجار وأوراقها وتُشتِّتها، والأمْطار تخْترِقُ السُّحُب الدّاكِنة وتتساقط على الأرض بِغزارة. والسُّيول المائية تكْتسِحُ الشّوارع.
جريْنا مُحَمّلين بِأثْقالِنا نبْحثُ عن مَلْجأ نحْتمي به من العواصِف الجامِحة التي تجْتاحُ المدينة التي هاجرْنا إليْها. اِلْتجأْنا إلى أوَّل بِناية واحْتَمَيْنا بِشُرْفتِها من عواصِفِ الرّياح والأمْطار. ووقفْنا مُتلاصِقين على الرّصيف المُبَلّل نتفرّج على غضبِ الطّبيعة وعُنْف أقْدارِنا وسُوء حظِّنا..!
جلسْتُ على عتبةِ بابٍ موصَد ونحن نسْمع أصْوات مُبْهِجَة لِأطْفالٍ يضْحكون ويلعبون داخِل الدّار. اِلْتَقَطْتُ ورقة مُبَلَّلَة جرفَتْها المِياه فيها كتابة ورُسوم مُلوّنَة. مسحْتُها وفحصْتُها فوجدْتُها مُمَزَّقة من كتاب القراءة. وأخذْتُ قلم رصاصي وبدأْتُ أرْسُمُ عليها.
نظرْتُ إلى أمّي وإخواني وأخَواتي. وقرأتُ على مُحَيّاهم أفْضَع تعابير الحُزْن واليَأْس وخيْبةُ الأمَل. حتى الطّبيعة تُعادينا في يوْمِ رحيلِنا. لَوْ كُنْتُ فنّاناً لَخَلَّدْتُ هذه التّراجيدْيا فى لوْحةٍ عُنْوانُها ” البُؤساء “، ستكون مَشْهورة لِأنَّها تُجَسِّدُ وترْسُم مُنْتَهى المَرارَة والعبث على وُجُوهِ مَنْ أُحِبّ. ولكني لا أتْقِنُ التّعبير بالرّسْم لِأُعبِّر عن خلجات قلبي وكل ما تَجَرَّعْنا من مرارة العيش مُنْذُ ماتَ أبونا. لِأنَّ في بني سيدالِنا لا توجد مدْرسة ولا جامِعة ولا أكاديميّة لِلْفُنونِ الجميلة، ولا معاهِدَ لِلْموسيقى والرّقْص والمَسْرَح ولا مكْتبات عُمومية ولا كاليريات لِلْمعارِض الفنّية، ولا أيّ شيْءٍ يُنمّي العُقول ويُهذِّبُ النُّفوس. رفعْتُ نظري أتأمّل وجوههم الشّاحِبة من جديد. كانوا ينْظُرونَ إلى المطر وهو يسقط بِغزارة، وترْتطِمُ قطراتُه بالأرض فتَرْسُم فقاعات هوائية تتبدَّد بِسُرْعة. وعلى وُجوهِهِم علامات اِسْتِفْهام وخَوْف مِن قَسْوة الظُّروف وسرابِ الحياة..!
بدأتُ أرسُم أمّي ووجوه إخوتي وأخواتي على الورقة المُوَسّخة والمُمَزَّقة بِقلم رصاصي. وبدأتُ أتأمّلُ عَمَلي. كانتِ النّتيجة رسْمٌ تجْريدِيٌّ بَحْت.

أعْجبني رسْمي وبدأْتُ أُظيفُ له تَحْسينات. هَبَّتْ رِياحٌ شرْقِية وبدأ المطر يتهاطَل علينا تحْتَ الشُّرْفة. وخرج رجُلٌ من الباب المُحاذي لَنا وتأمَّلَنا بِشفقة ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنّا وهو ينْظُر بِاهْتِمام في رسْمي الذي كنتُ ألَوِّنُه. أخَذَ رَسْمي وشَدّني من يدي بِرِفْقٍ وهو يقول لِأُمّي:
ـ لا تَبْقَوا هنا في هذا الجوّ الرّهيب. سَتُبَلِّلُ الأمطار حقائبكم وثيابكم وستمْرَضون. تفضَّلوا إلى داخِلِ المَطْعَم من فضْلِكم. فجرّني من يدي وسبق الجميع لِيَفتحَ لنا الباب مُرحِّباً، فدخلْنا.

قادنا إلى رُكْنٍ في المطعم الذي كان فيه بعض الزُّبناء حوْلَ طاوِلاتٍ فوْقَ كُلٍّ مِنْها زُجاجةُ ماء.وجلسْنا في طاوِلَتِنا التي اخْتارها مالِكُ المَطْعم مُضيفاً كُرْسِيان.ثُمّ غابَ قليلاً لِيعود وفي يدِهِ عُلْبَةُ مُلوَّنات فَسأل أمّي:
ـ اِبنُكِ الصّغير يرسم جيّداً، ما اسمه ؟
فأجابته أمّي:
ـ اِسْمُه عبد الرحمان. هو دائماً هكذا، يُعْجِبُه الرّسم كثيرا.
فمدَّ لي العُلْبة وهو يقول:
ـ هذه العُلْبة الغالِيَة من الألْوان اِشْتريْتُها لِابْنتي الصغيرة سعيدة. ولكنها ماتتْ مع الأسف دونَ أن تراها. هي لك لِأنَّكَ تُحِبُّ الرّسم. ومن يُحب الرّسم من صِغرِه، سينْجَح لا مَحالَة لِأنّه يملِكُ الموْهِبة، شريطة أنْ يُنمِّيها ويُصقِّلُها بالدِّراسات الأكاديمية. اِسْتمِر في الدِّراسة وتنْمية موْهِبتِك لِتُعينَكَ في حياتِك، وسيكون لكَ مُسْتقْبلٌ زاهِرٌ إن شاء الله.
بدأْتُ أتأمّل العُلْبة الجميلة مع إخوتي وأنا أطير من الفرح. وعندما فتحْتُها كانت تحتوي على 24 قلماً مُلَوِّناً من النّوْعِ الجيِّد.
سألَتْ أمّي مالِكُ المطعم وهي تحُطُّ زيْتوننا ورغيف خُبْزِنا اليابِس فوق الطّاوِلة:
ـ من فضلِك سيّدي، هل يمكن اِسْتِعْمالُ مائدتَكَ هذه لِنأكُلَ شيئاً أنا وأوْلادي ؟ إنّهم جائعون.
وقبْلَ أنْ يُجيبَ أمّي، ذهب عند رجلٍ زبون كان يُنادي عليه. ورأيتهما يتحدّثان وينظرانِ إليْنا. ثم عاد صاحب المطعم وهو يقول لِأمّي:
ـ ماذا تريدونَ أنْ تأكُلوا ؟ عندي الطّاجين بالبطاطِس واللحم. لوبيا مع السّمك، بيصارة، شْلاظَة… ماذا تريدون ، اِخْتاروا. السيّد هُناك مَنْ تكرَّمَ عليكم وهو من سيُؤدّي ثمن الفاتورة. هناك أيضاً المشروبات والشاي.
فرِحتْ أمّي وقالت لِلرّجل بِخجل:
ـ شكرا لكما على إحْسانِكُما وبارك الله فيكُما.
فجمعتْ أمّي زيْتونها وطلبنا كُلّ ما ذكره صاحب المطعم لِنَذوق كل الأصْناف، فأتى بِ 3 وجبات مُخْتلِفة نقسمها بيننا. وبدأنا نأكل بعد أن غسلْنا أيدينا.
عندما انتهينا من الغذاء، أتى إليْنا الرّجل الكريم الذي أدّى ثمن الفاتورة مع زوجته التي سلّمتْ على أمّي وسألتْها:
ـ هل أنتِ من الناظور ؟
ـ لا. نحن من أغيرْ أومَضْغار.
ـ وأين ستذهبين بهؤلاء الأوْلاد ؟ هل عندكم أقارِب في الناظور ؟
ففكّرتْ أمّي ملِيّاً وقالت:
ـ لا. ليس عندنا أحد في الناظور. أبْحَثُ عن دارٍ لِلْكراء. هل يمكن أن تساعِديني من فضْلِك ؟
والتفتتِ المرأة تُخاطِبُ زوْجها:
ـ عُثْمان، هذه العائلة يبحثونَ عن دارٍ أو شُقّةٍ لِلْكراء. هل يمكن أن تُساعِدهم ؟
فحكّ عُثْمان في رأسِه يُفكِّر فقال:
ـ نعم نعم. أتذكّر. عبد الله الرِّيفي عنده شُقّة سفْلِية فارِغَة. وسمعْتُهُ يطلب 100 درهم فقط كإيجار.
فقالت له أمّي مُتوسِّلَة:
ـ من فضْلِك سيِّدي. هذه الدار مُناسِبَة لنا وثمنها معْقول. من فضلِك، يمكن أن نراها الآن وإلاّ سنقْضي اللّيل في العراء.
ـ مع الأسف لا يمكن رُؤْية مالِك الدار اليوم. هو مُسافر. ولكن سيعود غداً.
نظر الرّجل يتأمّلُنا وقال:
ـ إذا لم يكن عندكم أهْل أوْ أقارِب لِتبيتوا عندهم، فيمكن تسجيل الأولاد في الجمعية الخيرية مُؤَقَّتاً ريْثَما تجدونَ الدّار وتسْتقِرّونَ. في مَأْوى الخيرية يمكن إن يَدْرُسَ أوْلادُكِ ويأكُلوا ويناموا. هؤلاء الأطْفال كانوا مُسْتقِرّين في بيْئَة مُسْتقِرَّة، أمّا الآن فإنّهم يعيشونَ في شِبْهِ دَوّامَة.
فسألتْهُ أمّي:
ـ وأينَ توجد الجمعية الخيرية من فضلك ؟
ـ سيري في هذا الإتِّجاه حتى سينما فيكْتورْيا. وهناك اسْألي أيّ واحد وسيُريكِ الجمعية الخيرية. قُرْبَ السِّجْن المدني.
وشكرتهما أمّي وخرجْنا بعد أن شكرْنا أيضاً صاحِب المطْعَم على لطافَتِه وهديّتِه الجميلة. وفي طريقنا إلى الجمعية الخيرية، اِلْتقيْنا بِرجُلٍ أحْمَق كان يتحدّث وحْده بِهُدوء، ويقومُ بِحركاتٍ غريبة.

Les fous de Nador الله يرحمو السي علال - Copie

السي علال الله يرحمو Les fous de Nador
اِرْتفعتْ أصْوات آذان العصْر المُتشابِكة والمُنْبَثِقَةِ من أبْواق الصّوامِع العديدة. في قريتنا ببني سيدال لا نسْمع سِوى صوت آذان واحِد. في حين أنّ في مدينة الناظور تَخْتلِطُ الآذان لِكَثْرتِها. وهذا ليس بِجميل! لِأنَّ الأصْوات العَذْبَة والرّخيمة نادِرة، وإذا وُجِدَتْ، تُغطّيها الأصْوات القبيحة النّاشِزَة. لَوْ كُنتُ وزيراً لِلْأوْقاف، لَانْتَقَيْتُ أعْذَبَ الأصْوات لِلْآذان لِتَصْدَحَ فوْقَ المَآذِن…

اِنْقشعتِ السُّحُب من السّماء، وأطلَّتِ الشّمس بهِيّة تُرْسِلُ حرارتها وأشِعّتَها إلى الأرض، وتحوّلَ الجوُّ فجْأة إلى أحْسَن مِمّا كان ! وفكّرْتُ لِمَ لا تتحوّل حياتنا أفْضل مِمّا كانت عليْه قبْلَ الهِجْرة !؟ وتناهَتْ أصْداء كلِمات الرّجل الطّيِّب عُثْمان إلى ذاكِرتي: “هؤلاء الأوْلاد كانوا مُسْتقِرّين في بيْئَة مُسْتقِرَّة، أمّا الآن فإنّهم يعيشونَ في دوّامَة”…

وتاهَ خيالي مع التَّداعِيات. غاطِساً في طُفولتي عندما كُنّا نعيش في مَسْقَطِ رأسنا وأرض أجْدادِنا بِبني سيدال، وكُنّا نَلْعَب ونأكُل وننام كأطْفالٍ عادِيِّين، لمْ يكن يخْطُر على بالِنا أبَداً ونحنُ الحيوانات الصّغيرة والوديعة، أنْ نُرْهِقَ عُقولَنا القانِعة الخانِعة، ونفكّر في الغد أو المُسْتَقْبَل، أو نتساءَل عمّا إذا كانت هناك حياة ونمط معيشة أخْرى أمْ لا ؟. كُنّا فِكْرَياً ـ إذا كان هُناك فِكْرـ مُقْتَنِعين أنّ الحياة هكذا وستسْتَمِرُّ هكذا كما هِي بِدونِ تغْيير ولا انْحِراف عنِ المَسار المُخَطَّط مِنْ طرفِ الأسْلاف: أجْدادُنا كانوا فلاّحين، وآباؤُنا أيْضاً كانوا فلاّحين، ونحن أوْلادهم سنبْقى فلاّحين. وأوْلادُنا سيظلّونَ أيْضاً فلاّحين وربّما أحْفادُنا أيْضاً سيلْقوْنَ نفس المصير. إلى أنْ يرِثَ الله الأرض ومَنْ عليها..! بِمعْنى آخَر، كُنّا راضين على هذه الوضْعية التي فعلْنا كُلّ شيء لِلتّأقْلُم معها فيزْيولوجِياً وسيْكولوجياً، حتى اعْتَدْنا وتعوّدْنا عليها وأحْببْناها راضين مرْضَيِّين..! كانتِ أراضينا مَصْدَر رِزْقِنا. ولذالك كُنّا وأجْدادُنا نرْتبِطُ بِها ارْتِباطاً وثيقاً لِحَدِّ نِسْيان ونَفْي أنّ هُناك مَصْدر لِلرِّزْق والحياة دونها، أوْ أنَّ هُناك بديلٌ لها أوْ مَنْفَذ لِلْخُروج منها، وإمْكانِيَة اِسْتِبْدالِها وتغْييرها. وأنّ فِلاحة أراضينا وحُقولنا هي الوسيلة الوحيدة لِلْعيْش والبقاء في الحياة إلى يوْمِ الدّين..!

وهذا الاِقْتِناع العامّ والقناعات التي ترسّخَت في الوعْي العام واللاّشُعور الجَمْعي، هي ما نُسمّيهِ خَطَأً بِ ” الأقْدار” أو ” المَكْتوب”..! وكان لابُدَّ مِنْ فِعْلِ شيء لِتغْيير هذا ” القدر” المَكْتوب والجَبْري وكَسْرِه وقلْبِه ودكِّه، وحلْحلة هذه الأوْضاع الثّابِتة المُتحجِّرة بِفضْلِ العادة والتّقاليد التي لا تزيدها إلاّ ترسُّخاً وتجْذيرا مع عامِل الزّمَن، كان الناس لِعدمِ وعْيِهِم بِلا وعْيِهِم، لا يُحِسّون أنّهم داخِلَ سِجْن يجب الاِنْعِتاق مِنْه لِكيْلا تبقى دار لُقْمان دوْماً على حالِها، وتتوارث الأجْيال المُقْبِلَة نفس نمط الإنْتاج الفْيودالي الإقْطاعي العُبودي، ونفس الأوْضاع التّقْليدية الغابِرة..!

وكانت أمّي هي المُرَشَّحَة من طرفِ الأقْدارِ نفْسها لِتُغَيِّرَ الأقْدار. مُفارَقَة لكنها الحقيقة ! كانت أمّي البطلة ” جانْ دارْكْ ” التي ستُكسِّر هذه الأقدار الصَّلْبَة، وتُغيِّر وضْعيتنا وأقْدارنا رأساً على عقب! وعْياً مِنْها، أنّها بِهذا القرار الخطير، قرار الهِجْرَة، تتحمَّل مسْؤولِيات جِسام تُجاه طابُور الأوْلاد الذين تجُرُّهُم وراءها وهي راحِلَة. ولكنّها أيضاً كانت تضْرِب حِساباتِها وتُحلِّل الوضْع المُعْطى بِذكاء ودِقّة، وتُقارِنُ مع الوضْع الآخر المُفْتَرَض. لِتصِلَ إلى اسْتِنْتاج عبْقري، وهو أنَّ القَذْف بِوضْعيتنا الرّاهِنة وكلّ حياتنا في المَجْهول جُمْلَةً وفي ضَرِبَةٍ واحِدة، لِتتحوّل حياتنا التي كانت هادِئَة ومُسْتقِرّة، إلى فوْضى خلّاقَة، أسْوَأ ما يُمْكِنُ أنْ يَنْجُمَ عنها سيكون أفْضل في كُلِّ الأحْوال من الوضْعية القديمة السّابِقة..! هكذا صَنعتْ أمّي خارِطَة طريقها فهاجرْنا..!

لَمْ تكن أمّي مُهَنْدِسَة هذا المَشْروع، بليدة مُتهوِّرة مُتسرِّعَة، أو مُغامِرَة عَمْياء، كما لم تكن مِنْ عاشِقات المُدن إلاّ مِنْ ناحيةِ ما تُوَفِّرُه من إمْكانيات الدِّراسة والإسْتِشْفاء وفُرَصُ الشُّغْل وتسْهيل الحياة من ناحية التّجْهيز بِالماء والإنارة وهو ما كان يُشكِّل أكْبَر تحدٍّ لِلسّاكِنَة. ولَمْ تشْرَع في تَهْيء هذا المُخَطّط والسَّهَر على تنْفيذِه بِأيِّ ثمن، لَوْ لَمْ يكن في نظرِها إيجابِياً ومُثْمِراً، وأنّه لابُدَّ أن يعودَ بِالنَّفْعِ العميم على أوْلادِها فقط بعد بِضْعة سِنين من الإسْتِثْمار الزّمني. لقد عاشتْ ولاحظتْ وحلّلتْ أمّي وضْعية أبنائها وبناتها فِكْرَيّاً وصِحِّياً على طول عُمْرها في بني سيدال. فرأتْ كيْفَ اخْتطفَ الموْت بناتها وأبْناءها الواحِد بعد الآخر، (أخي عُمَر وأختي مرْيم وميمونت رحمهم الله جميعاً) دونَ أن نعي مُجرّد الوعْي أوْ نعرف حتى إسْم المرض الذي قتلهم، أو تكون هُناك طُرُق مُعبَّدة لِفَكِّ العُزْلة عنِ الرّيف لِلتّنقُّل والعِلاج بعيدا في المُدن الأخْرى التي لها الحظّ ..! ولاحظتْ أمّي كذالك كيف تعصُرُ التّقاليد وتخْنُقُ البنات في بُيوتِ آبائِهِنَّ ويبْقَيْنَ ذابِلات سجينات في انتِظارِ زواجهنّ المُبكِّر جِدّاً مِثْل أمّي وأختي الكبيرة يمينة اللّتان تزوّجَتا وعمْرُهُنّ دون 15 سنة. كما اسْتَنْتَجتْ أمّي بِمرارة، كيف ينْتهي المَطاف بِأوْلادِها الذُّكور وجميع أوْلاد حارَتنا، سواء الذين تردّدوا على حُجُرات الدِّراسة أو الذين لم يدْرُسوا أبَداً كأخَواي الكبيرين مْحَمَّذْ و مُحَمَّذ، عندما يكْبُرون فيَجْلِسونَ على الجُدْران الحجرية (إغَبْرَوَنْ) وسطَ الحُقول، لِيُدَخِّنوا السَّبْسي ويأكلوا الهنْدية مع الاِسْتِنْماء..! لِكُلِّ هذهِ الأسْباب هاجَرْنا آمِلِين أنْ تكون حياتنا أفْضَل..!

By dimarif