حوالي 400 كلم في الطريق المعبدة، ثلاثين منها تقودك عبر مسالك شديدة الانحدار والوعورة؛ تلك هي المسافة الفاصلة بين عاصمة المملكة والعين الحمراء المتواجدة بجماعة أجدير بإقليم تازة، هنا في الطريق كثيرا ما تصادفك حفر ومطبات، وعلو يفقد التوازن، تنتشر مساحات من المجال الأخضر وآلات يبدو أنها فرغت من مهمة الحصاد تكسو الأرض على مدى الرؤية
في البدء كان المنبع المائي، -الذي يمتاز بعلاج الأمراض التنفسية، وأخرى تتعلق بالكبد والجهاز الهضمي والروماتيزم والمفاصل -ثم اجتمع مجموعة من الأفراد بجوانبها، واتخذوا المنطقة مستقرا لهم وكونوا قرية من حوالي 247 أسرة، تتخذ من الفلاحة والسياحة الداخلية والتجارة مهنا لها، وتلبي حاجيات حوالي 8آلاف زائر في فصلي الصيف والربيع وعدد أقل بقليل في الأيام العادية.
“العين الحمراء ” تجاورها “عين الشفا” التي تجذب عدد مهم من الزوار سنويا، وتتواجد فوق مركز أجدير، إلا أن 12 غرفة، ومسبحين مغطيين للرجال والنساء، كطاقة استيعابية، تبقَ مؤهلات لا تغطي حاجيات الزوار الذين يتوافدون في أوقات متفرقة على المنطقة.
الوصول إلى “العين الحمراء”
وصلنا مدينة تازة، لنجد في استقبالنا حميد رياني، ناشط جمعوي وإعلامي بالمنطقة، والذي رتبنا معه الرحلة إلى “العين الحمراء”، أخبرنا أنه تفصلنا عن هذه الأخيرة قرابة الساعة والنصف من الزمن.
عندما تراءت إلينا لافتة كُتب عليها “العين الحمرا” بدأ فصل جديد من طريق وعرة كثيفة التضاريس، غارقة في المطبات، لا تسع سيارتين وشديدة الانحدار، لندخل مركز “العين الحمرا” ونصل فضاء يعمه رواج تجاري وحركية اقتصادية نشيطة، فضاء تدب فيه الحياة بالزوار وممتهني السياحة الداخلية.
تقاطر علينا أصحاب البيوت المعدة للكراء يعرضون ما يتوفرون عليه من أماكن للإقامة، مما يعني حيوية السياحة الاستشفائية بالمنطقة؛ هنا وسط جموع الباحثين عن التداوي من أمراض باطنية، تختلف وتتعدد أسباب الزيارة وآمال كل زائر، حتى أولئك الذين لا يشكون مرضا قدموا ليرتشفوا شربة ماء من “العين الحمراء”، علها تنزل عليهم “البركة” يقول رياني.
محمد زيوان .. زائر ألفه المكان وأبى مفارقته
محمد زيوان، (60 سنة) من قلعة السراغنة، يحكي لـ”الأيام24″، كيف تاه بين مستشفيات الرباط والدار البيضاء، بسبب عدم قدرتها على تشخيص مرض عاناه لفترة وأرقه لمدة تجاوزت الست سنوات، وكيف عجزت كل التحاليل والأشعة عن اكتشاف العلة.
“واحد النهار نعت ليا واحد الصديق هاد العين” فحططت الرحال بقرية “العين الحمراء” لمدة شهر دون أن أجد تغييرا يذكر، وبعد مدة نصحوني بالإكثار من شرب المياه وإضافة قليل من “الزيت” وممارسة رياضة المشي بمعدل منتظم، فبدأت حالتي الصحية والنفسية تتحسن” يقول محمد.
محمد، الزائر الوفي للمكان منذ 22سنة، استرسلا قائلا في التصريح نفسه “وجدت الراحة التي لم أنعم بها في أي مكان آخر، صحيح لم أعالج بصفة نهائية، لكن هذه المياه قللت من مضاعفات مرضي”.
يحكي متحدثنا، عن حالة والدته، عندما عانت في فترات من عمرها من الحصى في الكلي، وقَدِمت إلى العين الحمراء لأجل الاستشفاء، فتفتت الحصى عن آخرها بعد يومين من شرب المياه الغنية بأكسيد الحديد الثنائي. حسب المصدر نفسه.
وفي جولتنا في الأرجاء التقينا بعبد العزيز (اسم مستعار) 72سنة، قال لـ”الأيام24″ إنه في زيارة للعين الحمراء ستصل 10 أيام، “بعدما شفيت من ورم صغير على مستوى المعدة، وأنا حاليا أزور المكان في كل سنة بشكل منتظم” مضيفا، “هاد الما عندو مفعول، منين كتشرب كمية كبيرة تبدأ في الاستفراغ بحسب درجة تلوث الجسد”.
التعافي من الأمراض .. غياب لإحصائيات رسمية
تغيب إحصائيات رسمية حول فعالية العلاج بمياه “العين الحمراء” حسب ما صرحت به طبيبة المركز بأجدير-لـ”الأيام24″، بينما رصدت مواد إعلامية نقلا عن أشخاص عاينوا شفاء مرضى بفضل الارتشاف من ماء “العين الحمراء”، من بينها، تعافي مواطن مغربي مقيم بالخارج كان يعاني من مرض “التوكال” وتسبب له في تساقط الشعر، وبدأ هذا الأخير في الظهور بعد مداومته على شرب ماء الحامة لمدة ثلاثة أشهر متتابعة.
ما تتناقله الألسن هنا، أن مواطنا عانى من مرض ارتفاع “الكوليسترول” لمدة طويلة، قبل أن يستقر بشكل مؤقت بالعين الحمراء، وبعد فحص طبي مباشر، تأكد له أن المرض يتجه نحو التناقص.
قصص لمرضى فقدوا حياتهم بسبب “العين الحمراء”
تحتفظ الذاكرة الجماعية لسكان العين الحمراء، حسب تصريحات متطابقة للزوار والساكنة، استقتها “الأيام24” بذكريات أليمة ترتبط بهذه المعلمة الاستشفائية، أولاها حين حلت بها عائلة من نواحي الرباط العاصمة قصد علاج ابنتها من “التوكال”(تسمم غذائي متعمد)، وهي المريضة التي كانت تعاني من مرض على مستوى “الصدر”، فلم تنتبه العائلة إلى تحريم شرب هذه المياه على الذين يعانون من الأمراض الصدرية أو “السل”، وسقطت الابنة جثة هامدة ساعات بعد شربها للماء بـ”العين الحمراء”.
ثاني الحالات التي عجلت مياه العين الحمراء بوفاتها، وحسب ما تتناقله الألسن هنا، مريض بالقلب، كان قد زار المكان بعد أن سمع عن قدرات مياهه العلاجية، فأقام به لمدة لا تتجاوز الساعة وأخذ في ارتشاف كمية كبيرة من الماء، ليلفظ أنفاسه بالقرب من موضع السقي.
وخلال مقامنا بالمركز، التقينا “فطومة” (اسم مستعار)، سيدة في عقدها الخامس تفترش الأرض وحيدة بجانب “سقاية” العين الحمراء، وأسارير محياها توحي باطمئنان داخلي، بعد أن قدمنا أنفسنا، لم تتوانى “فطومة” في قبول التحدث إلينا وسرد حكايتها وسبب تواجدها هنا.
“تعرض ابني لعملية تسميم من طرف أحد الأشخاص القريبين منه، طرقنا أبواب المستشفيات والمصحات الخاصة، دون أن يستطيع أي من الأطباء تشخيص مُصاب ابني، وما سمعت عن معالج بالطرق التقليدية والشعبية إلا وطرقت بابه دون أن يجد حلا لما حل بابني، تضيف “فطومة” بحشرجة في صوتها، “لقد بلغ من ابني الهزال مبلغه، وظل قبل وفاته المفاجئة، شارد الذهن، قليل الحركة وكثير التفكير والتأمل، لقد كان يعاني في صمت”. تختتم “فطومة” قبل تنهيدة عميقة.
أخبرتنا “فطومة” أن آخر محاولة لعلاج ابنها من عملية “التوكال” كانت بالعين الحمراء، بعدها ازدادت يقينا أن المرض أصبح في مستوى أكثر تعقيدا، وأن نهاية ابنها اقتربت، فعادت به إلى مسقط رأسه ليدركه الموت بعد أيام قليلة.
المكان .. منطقة سياحية تحتاج إلى استراتيجية تنموية مندمجة
حميد رياني، فاعل جمعوي خَبِرَ المنطقة، قال في تصريح لـ”الأيام24″ إن إقليم تازة يحتاج إلى مزيد من الاهتمام على مستوى الميادين التنموية (صناعة تقليدية، فلاحة، سياحة…) إلا أن الظاهر أن المجال السياحي سيشكل رافعة تنموية كبيرة وذلك عن طريق استثمار مؤهلاتها الطبيعية والتراثية النوعية.
وأضاف رياني في التصريح نفسه “تطوير بنيتها التحتية سيمكن من تسهيل الولوج إلى جبالها الرائعة والتي يوجد من بينها جبل بويبلان الذي يلتحف الأبيض على طول فصول السنة” منبها إلى أنه “على الحافز الأول لإبراز مؤهلات المنطقة ألا يكون ذو طابع مادي وتقني، بل يجب أن يتعداه إلى ما هو وطني وإنساني”. يقول المتحدث.
“إن صح التعبير، فإن سياحة البحث العلمي تعد مجالا خصبا بهذه المنطقة لتوفرها على أشجار ووحيش وحشرات وغابات ومغارات” لكن هذا، يستطرد رياني، “عليه أن تواكبه عملية تجهيز على مستوى الطاقات الاستيعابية للزوار، خلق متاحف ومعارض قارة”. يقول رياني للجريدة.
ودعا الفاعل الجمعوي، أصحاب المال والمستثمرين، خصوصا أبناء المنطقة منهم، إلى تبني مقاربة استثمارية تنموية، تهدف بالأساس إلى الرفع من حضور الإقليم وطنيا ودوليا على مستوى الجاذبية للسياحة الداخلية والخارجية، الشيء الذي سيمكن من إقامة مشاريع تهدف بالأساس إلى تقليل معدل البطالة بالإقليم، واستغلال ما يزخر به من مؤهلات طبيعية وسياحية، بالإضافة إلى جعل المنطقة سوقا رائجة اقتصاديا لكل المنتوجات وخصوصا تلك التي تُميز الإقليم عن غيره “.
كما خاطب رياني، شباب الإقليم والنواحي، “الذي يتميز بغيرة منقطعة النظير على مدينته” داعيا إياه إلى تكثيف مبادراته الذاتية “لعلها تكون قدوة للمسؤولين والهيئات المسؤولة التي عانينا الخذلان من جلها”، داعيا إياهم إلى”الانخراط في الجمعيات التنموية عموما والسياحية خصوصا “.
فاعلون بـ”العين الحمراء” يدعون إلى الاهتمام بالمنطقة
وفي تصريح للفاعل الجمعوي حكيم أمقران قال إنه “كانت في السابق تنتشر حوالي 1100 خيمة تأوي الزوار والقادمين لأجل العلاج من أمراض باطنية (الأعصاب، المفاصل، فقر الدم) مؤكدا أن “العين الحمراء” هي المنطقة الأكثر زيارة في نوع السياحة الاستشفائية والداخلية في النواحي، حتى أنها تستقبل زوارا من دول ليبيا وتونس وسوريا، وقد”، يضيف أمقران، “تأكدت فعاليتها بنتائج لأبحاث مختبرية قام بها، خلال الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، طبيبان فرنسيان، أحدهما أستاذ محاضر بجامعة السوربون”. يقول المتحدث نفسه.
وناشد أمقران، السلطات المختصة إلى الاستجابة لمطلب ساكنة هذه المنطقة، بتوفير طريق معبدة تحترم حجم الزوار الذين تقوم عليهم الدورة الاقتصادية لها، والذين يجدون أنفسهم مضطرين للعبور من مسلك غير معبد ويعج بالمطبات ولا يتوفر على أدنى شروط السلامة كما أنه يطل على حفرة عميقة تشكل خطرا حقيقيا في حق مستعملي هذا الطريق الوحيد الموصل لـ”العين الحمراء”.
وطالب الفاعل الجمعوي، بتأهيل البنية التحتية وعلى رأسها، شبكة الماء الصالح للشرب بالقول إن “المياه المتوفرة من العين لا تصلح لإعداد الطعام والشاي والقهوة” ولهذا السبب، يضيف أمقران ” زودنا المركز عند بداية هذه الألفية بشبكة للمياه الصالحة للشرب، أُنجزت ومولت بمبادرة من جمعية “عين الرحمة” ووكالة تنمية عمالات وأقاليم الشمال وشركة إيطالية لتدبير الطاقة وتطوير الطاقة المتجددة، غير أنه أصبح من اللازم تأهيل خدماتها والعمل على توسيع الشبكة وتجويد المياه الموجهة للاستهلاك اليومي، يقول أمقران.
كوثر العيري، رئيسة الجمعية النسوية للعين الحمراء للتنمية والثقافة والتواصل، وصفت عجلة التنمية بمركز العين الحمراء بـ”البطيئة” على مستوى التعليم والصحة والأمن والتنشيط الثقافي، موردة أن المركز يتوفر فقط على مستوصف لا يستجيب لحاجيات الساكنة ولا الزوار، إذ “يسيره ممرض يكون غائبا في أغلب الأحيان، ونُسجل شبه انعدام للمعدات الطبية وللأدوية”.
وشددت رئيسة الجمعية، على توفير عناصر أمنية لأجل استثبات الأمن وحماية الساكنة وممتلكاتهم، إذ ذكرت “العيري” أن مجموعة من الاشتباكات بالأسلحة البيضاء، تقع وسط المركز، آخرها تسبب في خسائر مادية وجروح خطيرة “.
“لا وجود لمراكز الثقافة ولا دار للشباب ولا متنفس يقضي فيه الأطفال والشباب أوقات فراغهم ويستفيدون شيئا ما” هكذا عبرت رئيسة الجمعية عن واقع الثقافة بمركز العين الحمراء
ودعت المتحدثة، الجهات المعنية، إلى الالتفات وتبني مقاربة تنموية بالمنطقة، تهدف إلى توفير أساسيات الحياة لدى المواطن القاطن بـ”العين الحمراء”، من “تعليم وتطبيب ومرافق تثقيفية وترفيهية”، موردة إنه “لابد من إعادة إحياء مهرجان العين الحمراء” الذي نظم بالمنطقة ولم يتم اعتماده مناسبة سنوية لأنه” تضيف كوثر العيري “يعد متنفسا وفرصة لإبراز مواهب أبناء المركز ويخلق نوعا من الرواج الاقتصادي بالمنطقة”.
