الصحراء زووم :سيد احمد السلامي
أسدل الستار على أشغال القمة الإستثنائية الافريقية التي انعقدت بأديس أبابا يومي 17 و 18نونبر الجاري، والتي كان على رأس جدول أعمالها مناقشة مشروع الإصلاح المقدم من طرف الرئيس الرواندي بول كاغامي، غير أن القرارات التي خرجت بها القمة، لم ترقى الى مستوى التطلعات، بتركيزها على الجوانب المالية والتقنية فقط، دون التطرق للمسائل الجوهرية والأساسية، حيث شملت قرارات القمة الإفريقية الاستثنائية، تقليص عدد المفوضين من ثمانية إلي ستة مفوضين، وتعزيز نظام العقوبات على الدول الأعضاء، التى لا تسدد مساهماتها المالية للمنظمة،، كما تم الاتفاق على التزام الاتحاد الأفريقي بتخصيص نسبة 50℅ من وظائفه للنساء، و 35℅ للشباب، وفي الوقت الذي عبرت فيه دول كرواندا والمغرب ومن وراءه حلفاءه التقليديون في القارة الافريقية كالسنغال وساحل العاج والغابون، عن إرادتها في الشروع في اصلاح هيكلي عميق وشامل يضمن نجاعة وتطوير اليات العمل الافريقي، بدا جليا أن هذه الإرادة تصطدم بجبهة الدول المتحفظة على هذا الإصلاح، والذي تقوده جنوب افريقيا والجزائر ومصر بالإضافة الى الدول التي تسير في فلكها، فهذه الدول ما فتئت تدافع عن ما تسميه إصلاحات لا تمس المبادئ والأهداف المؤسسة للاتحاد الافريقي، وترفض التنازل عن جزء من سيادتها للمفوضية الافريقية، والذي سيعزز من صلاحيتها بما يجعلها اكثر ديناميكية لتقرير السياسات وأخذ المبادرات خدمة للعمل الافريقي المشترك،
وقد كان واضحا أن العقلية التي أسست منظمة الوحدة الافريقية ووريثها الاتحاد الافريقي، لا زالت تتحكم في دواليب وهياكل هذا التكتل القاري، وهو ما يعطل الإصلاح ويرهنه بمصالح سياسية وحسابات استراتيجية مرتبطة بالظروف التي تم فيها تأسيس منظمة الوحدة الافريقية، والذي كانت مناهضة الاستعمار من بين أبرز أهدافها، بالاضافة الى ظروف الحرب الباردة وصراع المحاور الذي عرفته الساحة الدولية، بما فيه افريقيا، صراع دفع ثمنه العمل الافريقي المشترك ولازال.
فماهي آفاق إصلاح وتطوير الاتحاد الافريقي في ظل الاستقطاب الذي يعرفه العمل الافريقي المشترك؟
غداة حصول الكثير من الدول الافريقية على استقلالها، قررت هذه الدول سنة 1963 تشكيل منظمة أطلقوا عليها اسم منظمة الوحدة الافريقية، بغية تعزيز وحدة الصف و التضامن الافريقى والعمل على محاربة كل اشكال الاستعمار الذي كانت لاتزال ترزح تحت نيره عدة دول افريقية، ومرت هذه المنظمة بمحطات هامة وانقسامات خطيرة كادت تعصف بوحدتها، ولعل ابرز ازمة مرت بها هي قبول الأفارقة عضوية البوليساريو كدولة كاملة العضوية سنة 1984، حيث مارست الجزائر والدول المؤيدة لها ضغوطا لإقناع المنظمة بقبول عضويتها، وهو الأمر الذي أدى في النهاية لانسحاب المملكة المغربية العضو المؤسس لهذه المنظمة، وبعد مرور قرابة أربعين عاما من تأسيس منظمة الوحدة الافريقية, أعلن الرؤساء الأفارقة عن تدشين اتحاد بديل أطلقوا عليه اسم الاتحاد الأفريقي، بديربان بجنوب افريقيا سنة 2002, بيد ان هذا التكتل القاري مافتئ يتعرض لانتقادات بسبب بطئه الإداري وعدم فعاليته على غرار تجمعات اقليمية ودولية باتت تجدد وتطور أساليب عملها بما يعزز مصالح أعضاءها ويساير التحولات العالمية، وهو ما أدى الى بروز اصوات تنادي بضرورة الشروع في إصلاح هيكلي حقيقي، يروم تجديد هياكل الاتحاد تعزيزا لفعاليته خدمة للعمل الافريقي المشترك.
وبدا الرئيس الرواندي بول كاغامي أكثر القادة الأفارقة تحمسا لإصلاح الاتحاد الافريقي مستندا الى تجربته في قيادة رواندا التي تحولت في عهده الى واحدة من أهم الدول الأفريقية الرائدة في مجال النمو الاقتصادي، وفي هذا الإطار دافع كاغامي عن رؤيته الرامية الى تحقيق إصلاحات تهدف الى جعل الاتحاد الإفريقي أقل بيروقراطية وأكثر فعالية، وقد كلف في 2016 من طرف القادة الأفارقة بالتفكير في اصلاح يهدف بالدرجة الأولى الى تحقيق الاستقلال المالي للاتحاد، ضمانا لاستقلال القرار السياسي، وخفض نفقاته، من خلال الحد من عدد القمم واللجان، للحد من تبعيته حيال المانحين الاجانب، واقترح أيضا أن يركز أولوياته على الأمن والسياسة والتكامل الاقتصادي.
ويقف المغرب منذ عودته للاتحاد الافريقي في مقدمة الدول التي أعربت عن دعمها إجراء إصلاحات عميقة للاتحاد، وعبر في أكثر من مناسبة عن ضرورة إجراء مراجعة شاملة لآليات عمله، وفي هذا الإطار أكد المغرب دعمه لمشروع الرئيس الرواندي للإصلاح، وهو ما تأكد من خلال المحادثات الهاتفية الهامة التي أجراها الملك محمد السادس مع بول كاغامي، عشية انعقاد القمة الافريقية الاستثنائية الأخيرة بأديس أبابا، عبر له فيها عن دعمه الكامل لرؤيته المتعلقة بإصلاح المنظمة الافريقية.
وكان واضحا أن عودة المغرب الى الاتحاد الافريقي مرتبطة بالاستراتيجية الجديدة للديبلوماسية المغربية، القائمة على المواجهة وتفادي سياسة الكرسي الفارغ، للدفاع عن مصالحه وقضاياه وعلى رأسها قضية الصحراء، خاصة وأن الاتحاد الافريقي كان أحد أبرز المعاقل التي ظلت جبهة البوليساريو تصول فيها وتجول في ظل غياب المغرب.
وهكذا لم يخفي المغرب، ومنذ عودته الى حضنه الافريقي، رغبته في البدء في تفعيل إصلاح شامل وعميق، والدفع باتجاه مراجعة شاملة للقانون التأسيسي للاتحاد الافريقي، فالمغرب يسعى الى اقناع الافارقة بتجميد عضوية البوليساريو، لكن هناك عائقا قانونيا يتمثل في غياب مسطرة طرد الدول من الإتحاد، لأن ما يتحدث عنه الميثاق التأسيسي هو تعليق العضوية في حالة التغيير غير الدستوري، وهو ما تشير إليه المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، والتي تقر تعليق مشاركة الحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية، كالانقلابات العسكرية في أنشطة الاتحاد، وعليه سيكون المغرب مطالبا بحشد التأييد لتعديل الميثاق التأسيسي، وإذا كان هذا الميثاق يعطي لكل دولة الحق في طلب التعديل، وهو ما تشير اليه المادة الثانية والثلاثون والتي تنص على أن: “يجوز لأي دولة عضو تقديم مقترحات لتعديل أو مراجعة هذا القانون”، إلا أن هذا الإجراء يتطلب نصابا قانونيا لضمان التصويت عليه، وهو ما تشير اليه نفس المادة والتي تنص على ان “يتم إقرار التعديلات والمراجعة من جانب مؤتمر الاتحاد بالاجماع، أو بأغلبية الثلثين في حالة تعذر ذلك”، وعليه فالمغرب يحتاج الى ضمان تصويت ثلثي الأعضاء لطلب تعديل الميثاق التأسيسي، من أجل إدراج بند جديد يفتح الباب أمام الإتحاد لطرد دولة عضو، الشيء الذي سيدفع المغرب لتكثيف جهوده الديبلوماسية لتوسيع قاعدة المطالبين بإجراء إصلاح هيكلي لمؤسسات الاتحاد الافريقي.
وفي هذا الإطار عبرت دول معروفة بدعمها لمواقف المغرب، عن دعمها لهذا التوجه خاصة السنغال وساحل العاج والغابون، وهي الدول التي كانت تدافع عن مواقف المغرب داخل الاتحاد الافريقي قبل عودته.
بيد أن محاولات إصلاح الاتحاد الأفريقي تصطدم بمواقف بعض البلدان الإفريقية المؤثرة، والتي ترفض المساس بالميثاق التأسيسي للاتحاد، كما لا تخفي تحفظها على توسيع صلاحيات الاتحاد، وترفض التخلي عن اي جزء من السيادة للمفوضية الافريقية، وجعل دورها يقتصر على تطبيق وتنفيذ القرارات التي تتخذها القمم الافريقية.
وتعتبر مصر التي ستتولى الرئاسة القادمة للاتحاد الافريقي، من أبرز المتحفظين على هذه الإصلاحات، وتحفظها يعكس نوعا من الاستياء، بسبب تعليق عضويتها في الاتحاد الافريقي بعد إطاحة الجيش برئاسة محمد مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي الى الحكم في 2013، وتعتبر القاهرة أن المفوضية هي التي كانت وراء اتخاذ هذا القرار، وهو ما يجعل مصر من أكثر المتحفظين على توسيع صلاحيات المفوضية، في حين تقود جنوب افريقيا جبهة الدول الواقعة في جنوب القارة والرافضة لأي إصلاح للاتحاد الأفريقي يمس بمبادئه الأساسية، وكانت بريتوريا قد عبرت عن تحفظها على مشروع كاغامي للإصلاح القائم على إعطاء صلاحيات واسعة لمفوضية الاتحاد الأفريقي.
.
اما الجزائر فقد سارت في نفس الاتجاه، حيث أعربت عن دعمها للإصلاح دون المساس بأهداف الاتحاد ومبادئه، والاقتصار على مراجعة التسيير التقني للمنظمة وهياكلها من أجل تحسين مردودها، وسبق لوزير الخارجية الجزائري السابق رمطان العمامرة أن أشار خلال قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في شهر يناير من سنة 2017، إلى أن عملية الإصلاح لا يجب أن تؤثر على أهداف ومبادئ الاتحاد، وإنما مراجعة الأداء الفني للمنظمة وهياكلها لتحسين الآداء، اما بالنسبة لجبهة البوليساريو فما فتئت تعبر في أكثر من مناسبة عن تنديدها بما تسميه مساعي المغرب لتقويض الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي، وهو موقف يعكس تخوف الجبهة من إجراء تغيير شامل يمس بالمبادئ الأساسية المؤسسة للاتحاد الافريقي، الشيء الذي قد يهدد وجودها داخل هذا الاتحاد.
وتعكس مواقف الدول الافريقية المتباينة بخصوص إصلاح الاتحاد الأفريقي، طبيعة الانظمة السياسية المختلفة للدول الافريقية، ففي الوقت الذي تدعم فيه الدول التي تعرف تقدما في مسار تطورها السياسي والاقتصادي، إجراء إصلاح هيكلي ومراجعة شاملة لآليات الاتحاد الافريقي، تبدو الدول التي تعرف تعثرا في هذا المسار غير متحمسة لذلك، كما تعكس المواقف المختلفة حدة الاستقطاب وصراع المحاور داخل هذا التكتل القاري، وهو ما يجعل تطور وإصلاح الاتحاد الافريقي رهينا للحسابات السياسية المتباينة بين البلدان الافريقية.
