_______________

علاء الدين شمس البلوقي

استاذ بنشماش:

أشكركم على تفاعلكم مع أسئلتي السابقة.

وأود الإشارة إلى كون مخاطبتي لكم جاءت في اطاركم الاكاديمي وما للاستاذ من رمزية وحمولة طيبة في عقلنا الجمعي، واحترامي لشخصكم نابع من هذا الأساس.

سأستعرض في ما يلي تعقيبي على جوابكم في ما يخص ظهير العسكرة وسأعود إلى النقاط الأخرى لنناقشها بتفصيل.

في اطار التدافع العلمي، لا تشكل الكلمات من قبيل نسف/دحض/هدم/اسقاط/سحق اية حمولة عنيفة أو غير لبقة من منظور اكسيوماتيكي، والاشخاص ذوو التوجه العلمي يعتبرون الأمر تثبيتا لاطروحة نقيضة اكثر قبولا في مقابل اطروحة علمية هشة. وهو ما لا يتوفر في سيميولوجيا القانون كعلم استنباطي، فتقبل اعتذاري.

Revenons à nos moutons ?

لا يمكن إيجاد تعريف معياري لما يصطلح عليه بمنطقة عسكرية (Military Zone) على ضوء العلوم المختصة سواء كانت علوما عسكرية أو استراتيجية أو سياسية أو قانونية، والتوصيف يمكن أن يشمل منطقة حظر عسكرية (Military Exclusion Zone) كمناطق برية ممنوعة الولوج على المدنيين، أو كمناطق جوية يمنع التحليق فيها في ما يخص حالة الحظر الجوي أو منطقة تشمل فرقة عسكرية محددة المهام في حيز جغرافي محدد (Military Operations Zone) كما في حالة المنطقة العسكرية في أرخبيل الآزور (Azores Military Zone) وهي منطقة قيادة وتدريب الجيش البرتغالي للقوات البرية المحيطة بالأرخبيل، أو كما في حالة المنطقة العسكرية التي أنشأها الجيش الأردني في يونيو 2014 مع حدوده الصحراوية مع سوريا بعد تفجير انتحاري تسبب في مقتل ستة جنود أردنيين، وهو ما جعل من المنطقة، منطقة استنفار عسكري تمنع الولوج على المدنيين كيفما كانت صفتهم أو وضعهم الاعتباري.

لكن بالنظر إلى تاريخ التسمية وما ترتب عنه من تشكل هذا المفهوم الخاص عبر الزمن، فالملاحظ أن التسمية سوفياتية الأصل، ومعناها منطقة جغرافية تتضمن منشئات عسكرية وإدارية تابعة للجيش، لا تشكل حظرا على حرية التنقل بقدر ما تمثل نوعا من التوزيع الدفاعي في ما يخص تدبير الأمن القومي وحالات العدوان.

الظهيران اللذان يعيينان اقليمي مكناس والحسيمة منطقتين عسكريتين صدرا أول مرة باللغة الفرنسية قبل ترجمتهما إلى العربية. وعودتنا إلى النص الفرنسي نابع من منطلقين:

أولا: كون الاستعمال الدلالي لمفهوم منطقة عسكرية في كلا الظهيرين يفتقد إلى الدقة اللازمة وعدم وجود أي تعريف قانوني لمفهوم منطقة عسكرية لا في قانون القضاء العسكري ولا في قانون العدل العسكري ولا في غيرهما. ثانيا: أن ترجمة الظهيرين إلى اللغة العربية انطلاقا من النص الفرنسي لم تكن موفقة لكون الترجمة الصحيحة هي تراب عسكري وليس منطقة عسكرية.

وعليه، ينص الظهيران في النسخة الفرنسية (انظر الصورة أسفله) على أن المنطقتين ترابان عسكريان وجائا بصيغة territoire militaire وليس zone militaire. وهذا يوضح بالملموس الطابع الترابي للظهيرين.

1- يعرف قاموس جامعة كامبريدج البريطانية التراب كما يلي:

(an area of) land, or sometimes sea, that is considered as belonging to or connected with a particular country or person.

والترجمة هي: (منطقة من) أرض، أو في بعض الأحيان بحر، والتي تعتبر في ملكية بلد أو شخص.

2- ويعرف الجغرافي الفرنسي الشهير (Claude Reffestin 1936) التراب كما يلي:

le territoire est un espace transformé par le travail humain.

Source: Raffestin C., 1986, « Ecogénèse territoriale et territorialité », in Auriac F. et Brunet R. (eds.), Espaces, jeux et enjeux, Paris : Fayard, p. 173-185.

والترجمة هي: التراب هو فضاء يتم تحويله بالعمل الإنساني.

3- ويعرف استاذ الديموغرافيا الدولية الفرنسي (Pierre George 1909) واستاذ الجغرافيا الفرنسي (Fernand Verger) التراب كما يلي:

le territoire est défini comme un espace géographique qualifié par une appartenance juridique (territoire national), une spécificité naturelle (territoire montagneux) ou culturelle (territoire linguistique).

Source: Pierre George et Fernand Verger, Dictionnaire de la géographie, Paris, Presses universitaires de France, 2009.

والترجمة هي: التراب فضاء جغرافي مميز بانتماء قانوني (التراب الوطني), خصوصية طبيعية (تراب جبلي) أو ثقافي (تراب لسني).

الأكيد أن هناك العشرات من التعريفات من منظرين واكاديمين مرموقين التي تنحو في نفس الاتجاه لا داعي لسردها فلا يتسع المجال لها الآن.

ظهير 4 دجنبر 1959 ظهير تنظيمي في حين أن ظهيري عسكرة الحسيمة ومكناس ظهيران ترابيان، ولا يستقيم هنا رأيكم بنسخ الأخير للظهيرين السابقين، لأن ظهير التقسيم الإداري يعرف التقسيمات التي جرى تعريفها في مواده فوق تعيين ترابي مسبق ولا يغير طبيعة التراب ان كانت مدنية أو عسكرية.

يكفي أن تراجعوا ظهير دجنبر 1959 المتعلق بالتقسيم الإداري لتجدوا انه لم يذكر لا حصريا وﻻ بالإشارة الظهير العسكري للحسيمة، بل تطرق للحديث عن التنظيم الترابي والتقسيم الإداري دون أن يشمل مواد فيما يخص تصنيف نوع التراب (أ كان مدنياً أو عسكريا) كما أن المادة السادسة من ظهير دجنبر 1959 ألغت التشريعات الإدارية السابقة لصدور الظهير بشكل حصري ومحدد ولم تذكر مسألة الطبيعة العسكرية للحسيمة أو لمكناس. حيث كانت المادة السادسة واضحة عندما حددت بشكل حصري النصوص التي سيلغيها ظهير التقسيم الاداري والتي لم يكن من بينها الظهير العسكري لاقليمي الحسيمة أو مكناس. كما ان الظهيرين العسكريين لا علاقة لهما بالتنظيم الإداري والغائهما يجب ان يكون عن طريق نص واضح ويشير بالتحديد للظهير العسكري ويكون في نفس مستواه او اكثر حسب المبادىء القانونية التي تعرفونها وأنتم أهله.

التنصيص على الطبيعة العسكرية لمدينة مكناس قرار سياسي مفهوم ومعقول بالنسبة لاقليم يشكل حاضنة الاكاديمية الملكية العسكرية بالاضافة إلى مدارس عسكرية وقواعد عسكرية مهمة مسؤولة على تشكيلات أغلب القوات البرية المغربية. وهو منحى يؤكده أعلاه التعريف السوفياتي للمنطقة العسكرية كما سبق وفصلت ذلك.

لكن في حالة الحسيمة لا يوجد.

صدور ظهير اعتبار المنطقة عسكرية جاء 48 يوما قبل القمع الشديد الذي تعرض له الريف إبان فترة 58/59. وهو سياق سياسي مختلف عن حالة مكناس وبالتالي فالظهير يؤدي إلى حسمنا في تآكل جدواه إلا اذا اريد بإبقاءه احياء ذكراه يوما ما.

كما أنني أحيلكم إلى المحاضر المنجزة من طرف الدرك الملكي بالحسيمة يوم 6 فبراير 2017 عقب أحداث بوكيدارن والتي تبين بالملموس استعمال اللواء الخفيف للفوج السابع للقوات المسلحة الملكية في استعمال صريح لصلاحيات الملك بصفته القائد الأعلى لأركان القوات المسلحة الملكية حسب الفقرة الثانية من المادة 213 من قانون العدل العسكري.

خلاصة مداخلتي: 1- ظهير التقسيم الإداري لا يلغي ظهير العسكرة من الناحية الشكلية ولا من الناحية الموضوعية. 2- ظهير تعيين اقليم مكناس منطقة عسكرية لم يلغى بظهير التقسيم الإداري ولا بغيره ولا يستقيم إلغاءه أصلا. 3- هناك مظاهر لاستعمال ظهير عسكرة اقليم الحسيمة في محطات عدة، وآخرها أحداث بوكيدارن. 4- الريف بحاجة إلى تحليلات حكيم بنشماش أستاذ القانون وليس إلى تبريرات حكيم بنشماش رجل السياسة.

ملاحظة: قولكم “لسنا أشرار إلى هذا الحد” في جوابكم على اسئلتي فيه تقدير ضمني منكم أنكم أشرار لكن إلى حد مقبول نسبيا، وهو انزلاق خطابي وعلاقته بكاريزما رجل السياسة يجب الإنتباه اليه، وتقبلوا ملاحظتي هذه رغم أنني لا أخاطب بنشماش السياسي بعد

%image_alt%

By dimarif